الكُرد في الانتخابات الرئاسية الفرنسية

الكُرد في الانتخابات الرئاسية الفرنسية

إن العلاقة التي تجمع الفرنسيين (خاصة الاشتراكيين) بالكُرد (خاصة كُرد جنوب كوردستان) باتت تاريخية. حيث بدأت هذه العلاقة بشكل عام بعد هجرة الكُرد المليونية في آذار 1991 حيث وضعت أولى لبناتها سيدة فرنسا الأولى دانيل ميتيران زوجة الرئيس الاشتراكي السابق فرانسوا ميتيران. ويُشهد لها ما قامت به مع وزير الخارجية الفرنسي السابق برنار كوشنير وزميله القنصل العام الفرنسي السابق في أربيل الدكتور فريدريك تيسو اللذين كانا يعملان في منظمة أطباء بلا حدود. كيف لا، وهي المٌلقبة بأم الكُرد وهي من كانت وراء كل الدعم المُستمر للكُرد وذلك بحث زوجها على التحرك لانقاذ الكُرد من كارثة وأنفال ووهجوم كيماوي أخر. حيث كان للرئيس الفرنسي ميتيران دور بارز في صدور قرار مجلس الأمن )688( وفرض الحظر الجوي على أغلب المناطق الكُردية في جنوب كوردستان وهذا الدعم كان ومازال محل تقدير لدى أغلب أبناء الشعب الكُردي في كافة أجزاء كوردستان.

حديثاً أيضا تبين أن هذه العلاقات تكون في أفضل حالاتها عند وصول رئيس اشتراكي إلى السلطة حيث ظهر هذا الدعم جليا في العام 2014 بعد هجوم تنظيم داعش على إقليم كوردستان حيث كان لوارن فابيوس وزير الخارجية الفرنسي السابق أو مسؤول أوربي يزورالاقليم بعد الهجوم ومن بعدها قام الرئيس الحالي فرانسوا هولاند بزيارة كأول رئيس فرنسي يزورالاقليم. كما أنه كان لزيارة رئيسة بلدية باريس الاشتراكية (آن هيدالغو) ومساهمتها في برنامج التوأمة بين أربيل وباريس الأثر الكبير في توطيد العلاقة رسميا بين فرنسا واقليم كوردستان. نلفت هنا الانتباه إلى أن زيارة مُرشح اليمين والوسط للانتخابات الرئاسية فرانسوا فيوون لم يكن لها هذا الوقع خاصة أنه زارها لدعم ملفه الانتخابي والاطلاع عن قُرب على مايجري في المنطقة والحرب ضد داعش وذلك ليوضح للفرنسيين خطة عمله في برنامجه الانتخابي فيما يتعلق بالحرب على الارهاب الذي أصاب فرنسا في عاصمتها باريس وعدة مُدن أخرى.

كما أن استقبال رئيس اقليم كوردستان مسعود بارزاني عدة مرات في قصر الاليزيه كاستقبال رؤساء الدول يترك لدى الكورد أثرا طيباً وكذلك الأمر عند استقبال الرئيس الفرنسي لممثلين عن قوات البيشمركة ووحدات حماية الشعب لشكرهم كمقاتلين كُرد ضد الارهاب كان له وقع إيجابي لدى الفرنسيين من أصول كُردية وباتالي ظهرت بعض علامات الرضى تجاه الحكومة الفرنسية فيما يخص الملف الكُردي.

بالإضافة إلى ما ذكرناه وبما أن للاشتركيين سياسة ميالة إلى الاهتمام باللاجئين ومساعدة الأجانب بشكل عام، كان توجه الفرنسيين من أصول كُردية على الأغلب هو التصويت لصالح مُشرح الحزب الاشتراكي أو اليسار بشكل عام سواء أكان ذلك في انتخابات الجمعية الوطنية (البرلمان) أو في الانتخابات الرئاسية. إلا أن هذه القاعدة طرأ عليها بعض التغيير، فالجيل الجديد من الفرنسيين من أصول كُردية والذي نشأ وتررع في فرنسا لم يعد يستند ألى هذه الرؤية فقط، بل بات ينظر إلى المصلحة الفرنسية العليا ومن ثم ما يمكن أن يقدمه صوته الانتخابي خدمة لقضية الكُرد. هذا الجيل بات غير متأثر بالماضي خاصة أن هناك من يقول بأن كل ما يُثار حول العلاقات الفرنسية الكُردية هو عاطفي ومجرد مشاعر ولا تأثير عملي له على الواقع.

يجدر بالذكر أن هناك الكثير من الكُرد ممن دخلوا الحياة السياسية في فرنسا قد انضموا على الأغلب إلى أحزاب اليسار وذلك لوجود توجه عام قريب من مطالب الكُرد إضافة إلى ما ذكرناه سريعا عن العلاقة التاريخية التي تجمع الطرفين. وهؤلاء قد يكون الاختيار لديهم قد حُسم للتصويت لليسار في الانتخابات الرئاسية القادمة بعد عدة أيام لكن يبقى التردد قائما لأي مُرشح من اليسار سيتم التصويت؟ هذا التردد انتقل من الفرنسيين أنفسهم وكان له أثره على الكُرد أيضا. فلا يمكن الجزم بأن توجه الكُرد سيكون بالتصويت حصريا لمرشح الحزب الاشتراكي بنوا هامون الذي يحتل المركز الخامس وفقا لاستطلاعات الرأي الأخيرة. قد يكون هناك توجه نحو إيمانويل ماكرون أو جون لوك ميلونشو من اليسار الوسط واليسارالراديكالي لكن هذا أيضا ليس مضمونا حيث هناك تردد عام ملحوظ من جانب الناخب الفرنسي في اختيار المُرشح الذي سيصوت له وهذا ما يمكن أن ينعكس أيضا على الفرنسيين من أصول كُردية.

بالرغم من أن التوجه العام لدى الكُرد هو التصويت للاشتراكين لكن يمكن القول إن هناك نسبة لا يُستهان بها تُفضل التصويت لمُرشح اليمين المحافظ فرانسوا فيوون رئيس الوزراء في عهد نيكولا ساركوزي.

وإذا كات تردد الكُرد في تحديد التصويت لأي مُرشح من اليسار نفسه أو حتى بين اليمين واليسار مرده في جزء منه هو تردد الناخب الفرنسي بشكل عام، الذي قد يحسم قراره اليوم وذلك بعد المناظرة الأخيرة بين المُرشحين، فإنه يمكننا إضافة سبب آخر قد يكون ثانوي وهو أنه لم يذكر أي مُرشح من بين ال (11) ضمن برنامجه الانتخابي رؤيته فيما يتعلق بحقوق الكُرد ومستقبلهم في الشرق الأوسط وإن كان بعضهم قد أظهر هذا الدعم بخجل في بعض المناسبات القليلة جداً.

نعتقد أنه لن يحصل تغيير كبير خلال الثلاثة الأيام الباقية على موعد انتخابات الدور الأول  وبالتالي لم يبقى للناخب الفرنسي من أصول كُردية سوى أن يُمارس حقه الانتخابي وفق قناعاته الشخصية فقط فيما يخص الداخل الفرنسي دون التفكير فيما يمكن أن يفعله هذا المُرشح أو ذاك من أجل حقوق الشعب الكُردي.

 

هذه المقالة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تتبناها كوردستان24 بأي شكل من الأشكال.