هكذا يخاطبون العقل العراقي المنهك ويدجنوه

هكذا يخاطبون العقل العراقي المنهك ويدجنوه

اعتبر المرجع الشيعي جواد الخالصي ان ما يعيشه العراق اليوم من محن ومشاكل يرجع سببه الى ما جرى لاهل بيت نبي الاسلام قبل أكثر من 1400 سنة، وأضاف "في هذا الزمان لكي تنهض الأمة علينا أن نفهم ان لا مسجد سنيا وآخر شيعيا، وأهل البيت ليسوا خاصين للشيعة دون السنة، لأن أهل البيت (ع) هم أهل بيت محمد (ص)، وأهل السنة يحبونهم كما يحبهم الشيعة ويقدسونهم ويقدرونهم، والصحابة ليسوا أعداء أهل البيت (ع)، وبغض الصحابة على إطلاق الأمر هذا من النفاق"  واكد ان الخلافة قادمة بنور لإمامة الهادية المهدية.

وهكذا بدا السيد الخالصي اولا بتعليل سبب ما يعانيه العراق من مشاكل ثم دخل في شرح انشائي لرفض الواقع على اساس ما يراه منطقا (حسب تصوره)، ثم ختم بالنتيجة الحتمية التي وفق رأيه يراها ماثلة امامه.... وتووتة تووتة خلصت الحتوتة.. وقضينا على المشاكل في العراق.

في الحقيقة ان اختزال الصراع السياسي في الملف العراقي مع كل تداخلاته الاقليمية والعالمية وبهكذا صورة طوباوية يكشف لنا الاسباب الحقيقية للمعاناة العراقية والتي تختلف عن الاسباب التي ذكرها السيد الخالصي .

فالقول بان ما يعيشه العراق من محنة اليوم هو بسبب ما جرى لاهل بيت النبي قبل اكثر من الف واربعمئة سنة هو توظيف سمج لحدث تاريخي ومحاولة تسخيره، في اشعار المواطن بالذنب تجاهه، واثارة الدافع عنده للالتصاق اكثر بهذا الحدث وتبعاته، والعمل على عدم تكراره، هذا من جهة، ومن جهة اخرى يدفع بالمواطن الى الاستسلام لواقعه الحالي طالما يقال له انما يعانيه هو انتقام الهي للتكفير عن الذنب العظيم الذي اقترفه، فتترسخ عنده ثقافة جلد الذات التي نجح رجال الدين من غرسها فيه وتتمثل بشكل واضح في  الممارسات التي نشهدها في بعض المناسبات الدينية.

 ان كان بعض العراقيين قد اخطئوا قبل قرون بخيانتهم لآل بيت النبي. فما ذنب عراقيي اليوم ليتحملوا مسؤولية خطـ ارتكبه أجدادهم، خاصة وان الاسلام يتبنى مبدا (لا تزر وازرة وزر اخرى)؟ ثم ان كان سبب المحن الحالية في العراق هو ذلك الخطأ القديم، فلماذا لا يدفع الحجازيون مثلا ثمن عدم خروجهم مع أهل بيت النبي من الاساس؟ ثم ما علاقة العراقيين بصراع على السلطة حدث بين عائلتين حجازيتين مكيتين قريشيتين بينهما علاقة عمومة؟ ولو اعتبرنا مجازا ان العشائر العربية في مناطق جنوب العراق قد اخطأوا فما ذنب العراقيين في المناطق الاخرى؟ ولماذا يحترق الكوردي في كوردستان او السني العربي في صلاح الدين وديالى مثلا بهذا الصراع وما ذنبهم؟

هذا الطرح هو تبسيط سطحي جدا لما يحصل في العراق، يرسخ المشكلة بدلا من حلها. فما يحصل الان في العراق هو صراع سياسي اقحم فيه الجانب الطائفي  كعامل تأجيج لا اكثر.

الملاحظ من كلام الخالصي انه قد حدد سبب المشكلة بشكل واضح وجلي كما اسلفنا (لانه يتسق مع انتمائه المذهبي والفكري)، لكنه وفي خضم بحثه عن الحلم يقدم لنا حلا محددا عمليا، فادخل نفسه في طرح انشائي مطاط  لا يمكن الاخذ به حتى كخطوط عريضة للحل، فدعا الى انه لا مسجد للشيعة وآخر للسنة وبان اهل السنة يحبون اهل البيت كحب الشيعي له لأنهم ليسوا خالصين للسنة الى آخره من هذا الكلام الذي اصبح اسطوانة مشروخة لم يبق اي سياسي او رجل دين الا ادلى بدلوه فيها منذ 2003 ولغاية يومنا هذا دون ان يؤثر قيد انملة في ايجاد الحلول، فالاحداث قد تجاوزت هذه الرومانسية واثبتت بانها طروحات للاستهلاك الاعلامي فقط.

وفي مسك ختام الحديث يأتي الخالصي ليبشر العراقيين بان الخلافة قادمة بنور الامامة الهادية المهدية. دون ان يعرف بانه بهذا الختام يضرب بعرض الحائط كل ما قاله من انشاء وكل ما حاول تمريره. فهو بكلامه هذا وكأنه يقول للعراقيين بان: هذا الوضع سيستمر وهيمنة الاسلام السياسي باحزابه ومراجعه هي باقية الى ظهور الخلافة المهدية المهتدية، وعليه فان العراقيين مطالبون بتحمل امرين: تحمل وضعهم المزري الناتج عن الذنب التاريخي الذي اقترفه أجدادكم، والامر الثاني يجب عليهم تحمل بقاء هذه الاحزاب والمراجع جاثمة على صدره الى ان يظهر الامام المهدي، حيث سينعم العراقيون بعد ذلك بالعيش الرغيد هذا اذا بقي عراقي لذلك الحين.

في الحقيقة ليست هناك مشكلة في وجود مسجد شيعي ومسجد سني، ولا مشكلة في ان يعتز كل فريق بمذهبه وبانتمائه المذهبي.. المشكلة الحقيقية هي بان الطرف الذي يمثل الاغلبية الشيعية في العراق وبدعم من المراجع أنفسهم قد عبر سياسيا عن نفسه من خلال بعده المذهبي، فلا يوجد حزب شيعي في العملية السياسية دون ان يكون له افكار مذهبية تأسس عليها يتبناها مرجع من المراجع الدينية. لذلك فكان الأجدى بالسيد الخالصي ان يختزل كل هذا الانشاء ويقول بان الحل الوحيد للمحن الحالية هو بان يمن المراجع ورجال الدين على العراقيين وينزووا من الحياة السياسية بشكل كامل وياخذوا معهم الاحزاب المذهبية التي يتبنوها، ليدعوا العراقيين يؤسسون دولتهم الهادية المهدية بعيدا عن اي عقدة دينية أو مذهبية.

 

هذه المقالة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تتبناها كوردستان24 بأي شكل من الأشكال.