العراق وأمريكا في الحقيقة

العراق وأمريكا في الحقيقة

من المعلوم بان العلاقات العراقية الأمريكية قديمة وشكل العراق أهمية كبيرة في منطقة الشرق الأوسط لأمريكا سواء في الدفاع عن مصالحها وتأمين الطاقة واعتبارها سوقاً للعرض والتسويق.

لعبت أمريكا دورا مميزا في صنع المواقف السياسية للعراق طيلة العقود الماضية تجاه الدول الاقليمية والقضايا الدولية على الصعيد الخارجي و في الصعيد الداخلي كانت لهذه العلاقات اثراً واضحاً في تثبيت دعائم الانظمة الحاكمة او الانقلاب عليها و استبدالها بأنظمة أخرى كلما دعت حاجتها الى ذلك فلا تكاد اي محاولة للانقلاب سواء في العهد الملكي او الجمهوري ان ترى النور الا بمباركة امريكا ودعمها بل كانت السبب في فشل انقلابات عديدة عندما لم تكن مخططاتها تمر عبر سفارتها في بغداد و تحظى بالتأييد.

اما على صعيد مشاكل العراق الداخلية سواء مع القومية الكوردية او الشيعة كانت لأمريكا الأثر الواضح في دعم الحكومات العراقية المتعاقبة في محاربة الاكراد و الشيعة لتقف بوجه طموحاتهم المشروعة في المطالبة بحقوقهم القومية ومنها المشاركة في توقيع اتفاقية جزائر المشؤمة في (6/3/1975) عن طريق وزير خارجيتها كيسنجر وصمتها الرهيب تجاه المجازر وعمليات الانفال واستخدام الأسلحة الكيمياوية المحرمة دولياً مع الكوردستانيين ناهيك عن سياستها القمعية مع المحافظات الجنوبية.

وعلى المستوى الاقليمي يأتي دعم امريكا للعراق في قمتها خاصة في حربها مع ايران التي دامت أكثر من ثماني سنوات ذهبت ضحيتها الآلاف بالإضافة الى الخسائر المادية التي لا يمكن عدها .

وتبين من كل هذا بأن علاقاتهما كانت تتأرجح بين المد والجزر وانه كلما شعرت امريكا بأن النظام العراقي قد خرج عن مسار مصالحها وتبعد عن الطريق المرسوم لها فإنها تلجأ إلى تغييرها واستبدالها بأخرى ليكون أكثر انسجاما لسياستها وأن حرب الخليج الثانية بعد غزو دولة الكويت عام (1990) أو حرب تحرير العراق عام (2003) خير برهان على ذلك.

و من الممكن ان لا تكون اهداف هذه التغيرات في انظمة الحكم مرئية عند بدءها للعامة و لكن الزمن كفيل بكشف الاسرار و ان الاحداث تبرهن صدق اهدافها الحقيقية ، حيث صرحت كونداليزا رايس مستشارة الامن القومي الامريكي أبان حكم جورج دبليو بوش و وزيرة خارجيتها فيما بعد قبل ايام في محاضرة لها في معهد (بروكينز) بان الهدف من حرب تحرير العراق عام (2003) كان التخلص من نظام صدام حسين الذي كان يشكل تهديدا لامن امريكا ومصالحها و ليس نشر الديموقراطية فيه وبناء مجتمع مدني يعرف الكل ماله وما عليه.

ان ما ذهبت اليه كونداليزا رايس صحيح لان الحرب قد حققت اهدافها وتم التخلص من هذا النظام كسابقاته ولكن مع الاختلاف في الاداة وتم استبدال من كان في سدة الحكم باخرين ايضا مع الاختلاف في الولاء والتخطيط على الرغم من المحاولات المتكررة اليائسة للمكون السني بالقبض على ماكينات الحكم وصنع القرار تحت مسميات مختلفة ومن جانب اخر فان نشر الديموقراطية التي كانت تنادي بها امريكا لبناء دولة العراق ذهبت سدىً لأيمانها المطلق بان النظام الديموقراطي لا يصلح للعراق لاسباب عديدة داخلية وخارجية ترتبط بذهنية المواطن و تفكيره الضيق والبيئة التي عاشها والظروف التي مر بها و التدخلات الدولية و الاقليمية .

لذا حل محلها الاقصاء والتهميش و الحرب المذهبية ورفض المشاركة في القرار السياسي و الفساد المالي والإداري وعقد الصفقات للمشاريع الوهمية او الفاسدة و ظهور عمليات الاختطاف المنظم للعصابات ضد الأجانب والمواطنين العزل مما فتحت الأبواب على مصراعيها للجماعات الإرهابية بالنشاط مع وجود حاضنة أمنة لنموها و التي بدأت بالقتل و التفجيرات اليومية وأخيرا احتلال المناطق و المحافظات بأكملها معلنة دولتها وافرزت عمليات الانتقام و خروج الآلاف من المواطنين من بيوتهم نحو المصير المجهول في مخيمات للنازحين ينتظرون الموت او السعي وراء لقمة العيش لسد رمق جوعهم و ظروف مأساوية يخجل الكلمات من التعبير عنها.

ومع اقليم كوردستان حيث حل محل مشاركته في الحرب وبناء العراق الديموقراطي الاقصاء والتفرد بالحكم واقرار القوانين بالاغلبية ورفض مبدأ التوافق السياسي و قطع الموازنة ورواتب موظفي الإقليم ومحاربة الكوردستانيين بشتى الطرق في سبيل اضعافهم وارغامهم على القبول بالحكم المركزي والتهديدات المستمرة لها ضد الإقليم حتى بات إيمان المواطن الكوردستاني بالعراق ضعيفا او منعدما في تامين حياته و التعامل معه على أساس المواطنة.

وبهذا حققت الحرب الأمريكية على العراق هدفها وتبرهن على قوة السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المنطقة والأيام القادمة ستكشف ما يحمله حقائب الدبلوماسيين الأمريكيين الذين يتجولون في منطقتنا التي نأمل منها أن تفرز عن ولادة كيان سياسي كوردستاني مستقل وتسير سفينة الدبلوماسية الأمريكية بما يشتهيه الحلم الكوردي المنشود..

 

هذه المقالة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تتبناها كوردستان24 بأي شكل من الأشكال.