البارزاني وبعد النظر

البارزاني وبعد النظر

إن قناعات البارزاني من ان القوى الكبرى هي التي تقرر مصير الاحداث الى حد ما قد لازمته منذ حمله السلاح دفاعاً عن حقوق الكورد واستناداً الى هذه القناعة كان يهدف الى لفت أنظار العالم و عطفه على قضية شعبه العادلة ((لقد تحمل الشعب كثيراً من المشاق والمآسي وليس هناك من يقف إلى جانبنا ويساعدنا في محنتنا)).

وفي الحقيقة انه كان يحلم في تدخل هيئة الأمم المتحدة ((نرجو مساعدتنا على إيصال شكوانا إلى منظمة الأمم المتحدة واستنكاراً لسياسة القمع التي تمارسها بحق الشعب الكوردي أربع حكومات هي: تركيا وايران والعراق وسوريا لتمزيق القناع عن وجوه هذه الحكومات ونظهر للعالم اجمع مأساة شعبنا الكوردي التي لا تعادلها مأساة و لا يتحملها أي شعب)).

وعلى الرغم من الجهود التي بذلها مصطفى البارزاني من اجل كسب هيئة الامم المتحدة فانها لم تثمر شيئاً لانه لم يكن للكورد حليف قوي فيها يساندهم عند عرض القضية الكوردية في اجتماعاتها.

وان من سمات بعد نظر البارزاني هو اعتقاده بأنه من الصعب إحراز أي نصر بمعزل عن الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي (السابق) وصرح مرة قائلاً ((إن آلافاً قتلوا في كوردستان وهناك آلاف ينتظرون المصير نفسه ان لم تفعل هيئة الامم المتحدة شيئاً)) وقال (اني اسأل العون من كل إنسان يؤمن بالعدل) و من هذا المنطق وافق البارزاني على وقف اطلاق النار في (8 شباط 1963 و10 شباط 1964) ووافق على التفاوض تحقيقاً لرغبة اقوي دولة في العالم وهي الولايات المتحدة الأمريكية التي عرضت انها ستنظر بعين العطف الى القضية الكوردية وتأسيساً على هذا العرض طالب ان تكون مفاوضات شباط 1964 أمام سفراء كل من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة و الجمهورية العربية المتحدة (مصر) وحتى يكون الكلام أمامهم على حد تعبيره.

ومن الأمثلة التي تدل على بعد نظر البارزاني، فبعد استيلاء البعث على السلطة في (17 تموز 1968) و اضطراره الى التفاوض اراد اختبار عقل البارزاني وكان ظنهم انه لا يخرج من إطار رجل جبلي عشائري صعب المراس لا يعرف غير لغة السلاح وتأكيداً على مدى جهل القادة العراقيين برجاحة عقل البارزاني .

قال محافظ اربيل (خالد عبدالحليم جاسم 1969 - 1970 في يوم 9 آذار) أي قبل اعلان اتفاقية (11 اذار 1970) عندما ذهبت الى (ملا مصطفى البارزاني) في حاج عمران قدمت له هدية عبارة عن نسخة من المصحف الشريف ورشاشة زودني بها حزب البعث وقلت له اختر واحدة منهما وكان القصد واحد من تلك الهديتين فاختار البارزاني الاثنين معاً.

لقد تعامل البارزاني مع الهديتين تعامل المفكر الواعي فجنح للسلم اذا ما ارادوا وذلك فانه اختار القرآن الكريم وبه اثبت انه رجل السلام والمحبة والتآخي واختار في ذات الوقت الرشاشة اذا لم يحتكموا الى السلام رداً عليهم بلغة أخرى مختلفة.

ومن المناسب ان نذكر هنا ان البارزاني رد على محاولة اغتياله في (29 ايلول 1971) بعبارات تنبؤية قائلاً (العراق دولة بوليسية يحكمها صدام الذي لديه جنون العظمة والطموح الفائض الى السلطة لقد أزاح حردان التكريتي وصالح مهدي عماش وحاول إزاحتي وسيعزل البكر (احمد حسن البكر رئيس الجمهورية).  وهذا ما حصل فعلاً فيما بعد أي ان قراءة البارزاني لنمط حكم صدام كان دقيقاً وصائباً ومن الحوادث الطريفة والتي تدل على بعد نظر البارزاني ففي عام (1970) زار البارزاني الخالد وفدا حكوميا رفيع المستوى برئاسة نائب رئيس الجمهورية وكان معهم احد الوزراء احبّ ان يجلس بجانب البارزاني، عندما قُدم الطعام الكوردي المحلي مثل (ترخينة او كةنمة كوتاو) اقترب البارزاني من الوزير وقال له اذا كنت لا تشتهي هذه الأكلات لدينا غيرها... و كان صدام حسين (نائب رئيس الجمهورية ورئيس الوفد) جالس في الجبهة الأخر يراقب هذا الموقف و يصغي للكلام عن كثب دون ان يعرف جلية ما كان يجري بينهما، وبعد ذلك قال السيد (محمد عزيز) الذي كان هناك للبارزاني الخالد: ماذا قلت له، قال له البارزاني تسببت في طرده، وبعد ذلك بعدة أيام صدر مرسوم جمهوري بإعفاء الوزير المذكور من منصبه.

 

هذه المقالة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تتبناها كوردستان24 بأي شكل من الأشكال.