الخلَف في بغداد... يقلد السلف

Kurd24

الحركة التحررية الكوردستانية، وأحزابها السياسية الوطنية والقومية، ومن أجل تحقيق مكاسب قومية مشروعة، وحقنا للدماء الزكية وحفاظاً على الارواح البريئة، لم تسد باب الحوار مع بغداد أبداً، لذلك انتهجت كل السبل الدبلوماسية والاستراتيجية الناعمة، وأجرت مفاوضات وحوارات كثيرة وعقدت اتفاقات عديدة مع حكام بغداد، ولكن هؤلاء وبدلا من الالتزام بها، حتى في لحظات ضعفهم وهوانهم، وبسبب تعشش الشوفينية المقيتة في أدمغتهم واصلوا التآمر ضد الكورد وحاولوا التهرب من الالتزامات الدستورية والاخلاقية.

الكورد، لأنهم يمتلكون بعد نظر سياسي وثقة كبيرة بقدراتهم إبتعدوا عن الصلابة في المواقف وتحاوروا حتى مع الذين تلطخت أيديهم بالدماء، وفي هذه الايام وبعد ان وصلت العلاقة بين اربيل وبغداد الى طريق مسدود، نسمع أصواتاً ونداءات في العراق وكوردستان تدعو الى التفاوض ومعالجة المشكلات العالقة عن طريق الحوار، وفي المقابل لا نسمع أحداً يرفض التفاهم و التفاوض والحوار. نسمع أصواتاً تدعي الحرص على المصالح العليا والانحناء أمامها، وتشير الى التحديات التي تواجه الجميع، وتعدد المصالح المشتركة وإيجابيات الحوار وضرورات التفاهم والآمال التي تتحق معه. ولا أحد يتجرأ ليقول إني، أو إننا، نرفض الحوار ونسعى الى كسر قلوب الناس، مع ذلك وعلى ارض الواقع، تزداد الازمات وتتفاقم المشكلات وتهدر الاموال والأوقات وتنتهك الحقوق.

نسمع أن حكومة الاقليم والاحزاب الكوردستانية سترسل وفداً للتفاوض مع الحكام في بغداد، رغم التيقن التام بأن الوفد سيعود بخفي حنين ولن يحقق شيئاً إلا على صعيد الالفاظ والمجازات والتشبيهات والاختيارات اللغوية التي تحمل أوجه عدة وتسمح بتأويلات مختلفة، والتي أصبحت تقليداً يطغى على الصياغات الإنسانية التي لايمكن تفاديها، وستتمسك بغداد بمواقفها المبدئية وتنتقي البراهين التي في صالحها وتعتبرها حقائق مطلقة، وتدعي انها على حق، وتعلن عن إستعدادها للدفاع عنها مهما كلف الامر.

إذا يمكن القول إن الاحزاب الكوردستانية وحكومة الاقليم تتجه نحو حوار جديد،   وهي متيقنة من فشله، ولكن لماذا يفشل؟

يفشل، لأن علة الحكم في العراق واحدة فى الأصل، وهي عدم قيامه على المنطق والعقل والواقع والاستدلال والتجربة، وعجزه عن التحليل والقيام بأداء المسؤوليات المنهجية، وتنكره لكل الحقائق الموضوعية وحتى النسبية، وهذا، طبعاً، وهم كبير لأنه، حتى الحقيقة الواحدة، متعددة الجوانب، وتتغير بتغير الذوات الغارقة فى الأهواء والميول والرغبات ويجب أن  ينظر إليها من وجهات نظر مختلفة.

يفشل، لأن الكثير من الشوفينيين هناك يحفظون العديد من العبارات المجحفة بحق الكورد ويرددونها في كل مناسبة، ويعتبرون الكورد أسباباً لكل المشكلات والمصائب التي نزلت وتنزل على العراقيين، ويحاولون تشويه صورة الانسان الكوردي ووصفه  بالمتمرد والانفصالي والخائن.

يفشل، لأن ما أسميناه بالاصل يرفض مد اليد  إلى الآخر الذي يمد يده ولا يؤمن بالتسامح والتعاون والحوار الهادئ من أجل الإثراء المتبادل وتبادل وجهات النظر والوصول إلى حقيقة أعلى تقف وراء الحوار المستمر.

يفشل، لأن الحاكم في بغداد، كان وما زال، يحاول أن يغيب الاخر المختلف ويكتفي بالحوار مع النفس، ويسمع ما يحب سماعه، ويؤمن بأن القوانين والدستور أسطر مكتوبة على الورق يمكن عدم الالتزام بها وتعديلها كيفما يشاء.

يفشل، لأن الخلف في بغداد يقلد السلف، ويؤمن بأن ما حدث فى الماضي من كوارث وويلات ومآسٍ ومظالم، لابد أن يتكرر فى الحاضر.