‏إعلام العرب البدائي وهندسة العقول: عندما تتفوق الأفكار على الاستوديوهات

Kurd24

‏بعد ثلاثين عام عجاف قضيتها في الإعلام لي كلمة، كثيراً ما أتأمل حجم البنية التحتية والموارد المادية التي تمتلكها المؤسسات الإعلامية الكبيرة، استوديوهات حديثة، تقنيات متطورة، واستثمارات ضخمة وأموال تُضخ في هذا القطاع على مدار الثانية…!

‏ومع ذلك تبقى الجودة الحقيقية للإعلام مرهونة بالأفكار والرؤية التي تقف خلف هذه البنية التحتية العملاقة، وليس بمقدار الرفاهية والتطور التقني وحده كما يتوهم بعض مديري القنوات من الذين يفتقرون للموهبة الحقيقية، الأفكار هي الأساس يا صديقي لا تخدعك البهرجة، الواقع يشير إلى أن الإعلام الذي يعتمد فقط على الإمكانيات المادية دون أن يحمل رؤية أو هدف محدد يُعتبر إعلاماً بدائياً ومضراً لمن يموله في بعض الأحيان…!

حتى لو امتلك أحدث الأجهزة وأغلى الاستوديوهات تبقى الجودة الحقيقية للإعلام تأتي من قوة الأفكار ومن القضايا التي يتبناها وطرق معالجتها وطريقة عرضها وصدق من يعرضها، العقول المبدعة التي تمتلك القدرة على طرح قضايا جديدة ومؤثرة هي التي تصنع الفارق في هذا المجال….!

‏لعل التاريخ يقدم لنا العديد من الأمثلة على قوة الأفكار وتأثيرها في مجال الإعلام مثلاً حركة الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر، استخدم مارتن لوثر الطباعة لنشر أفكاره وتحدى الكنيسة الكاثوليكية، وعلى الرغم من قلة الموارد مقارنةً بالكنيسة، إلا أن الأفكار الإصلاحية وجدت طريقها إلى الناس عبر الكتيبات والمنشورات البسيطة التي غيرت مجرى التاريخ والربيع العربي الدموي خلال السنوات الأخيرة مثال آخر واضح، حيث لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في تحريك الشارع العربي، على الرغم من افتقاره للموارد المالية الكبيرة، تمكن من تجميع الجماهير حول قضايا، ما أدى إلى تغيير جذري في العديد من الدول، تغير اعتبره شخصياً سلبياً والشعوب تدفع الآن ثمنه، وأغلب المهتمين يعرفون دور محطات الإذاعة في الحرب العالمية الثانية عندما استخدمت إذاعات المقاومة في أوروبا ضد الاحتلال النازي موارد بسيطة مقارنةً بآلة الدعاية النازية الضخمة، ولكنها استطاعت بث رسائل الأمل والمقاومة بفضل الأفكار القوية والعزيمة…!

‏في السياق العربي مع الأسف نجد أن العديد من المؤسسات الإعلامية تمتلك موارد هائلة، استوديوهات فاخرة، لكنها تفتقر إلى الأفكار المبدعة والرؤية الواضحة وهذا يجعلها غير قادرة على المنافسة بفعالية على الساحة الدولية والعالمية، متى آخر مرة نقل الإعلام الأمريكي أو البريطاني خبراً عن محطة عربية، خبراً مؤثراً وليس خبراً رياضياً أو فنياً…؟

‏إذا كانت المؤسسات الإعلامية العربية تريد أن تلعب دوراً مؤثراً، فعليها أن تستثمر في العقول المبدعة وتدعم الأفكار الجديدة والمبتكرة وتبتعد عن الشللية التي قتلت الإبداع وكسرت حماس الصادقين…!

‏شخصياً أعتقد أن الجودة في الإعلام لا تتعلق بحجم الاستوديوهات أو تكلفة المعدات، بل بروح الابتكار وقوة الأفكار والعقول المؤمنة بالقضية والمستعدة للتحدي هي التي تصنع الفرق، يجب على المؤسسات الإعلامية أن تركز على تطوير الأفكار والرسائل التي تحمل معنىً وتترك أثراً، بدلاً من الاعتماد فقط على المظاهر والتقنيات والمذيعات التي قتل البوتوكس مخارج الحروف وتعابير الوجه لديهن….!