مسرور بارزاني: استقرار المنطقة لن يتحقق دون احترام حقوق الشعوب في تقرير مصيرها

رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني
رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني

أربيل (كوردستان24)- ألقى رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني، اليوم الاثنين 12 شباط (فبراير) 2024، كلمة مهمة في الجلسة الرئيسية لأعمال القمة العالمية للحكومات في دبي، دعا فيها إلى احترام حق تقرير المصير للشعوب، والسماح للشعب الكوردي برسم مستقبله بنفسه.

وشدد رئيس الحكومة على أهمية الاستقرار السياسي والأمن والازدهار الاقتصادي ومكافحة التغيّر المناخي، واصفاً هذه المجالات بأنها "ركائز أساسية لبناء مستقبل أفضل للمنطقة"، كذلك حث على التعاون لتحقيق التقدم، وشدد على أنّ تحقيق الاستقرار يبدأ بإقرار حقوق جميع الشعوب.

كما تناول رئيس الحكومة في كلمته، القضايا الجيوسياسية في المنطقة، بما في ذلك القضية الفلسطينية، والأزمات في العراق وسوريا، مطالباً بإيجاد حلول عادلة ودائمة لهذه المشكلات وإنهاء تسويفها وتجاهلها لتجنب تفاقهما، كما تطرق إلى ملفات أخرى مهمة.

 

وفيما يلي نص الكلمة:

أصحاب السمو والمعالي والسعادة

منظمو القمة العالمية للحكومات

الضيوف الأكارم،

طاب يومكم جميعاً.

يسرني أن ألقي كلمتي أمامكم اليوم في افتتاح هذا التجمع الذي يضم نخبة من المفكرين والقادة العالميين. ويسعدني أن أعود إلى دبي لحضور قمةِ هذا العام، كما أود أن أعرب عن شكري وتقديري لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم على جمع العقول المنسجمة، المخلصين لخدمة المجتمع والإنسانية من خلال توظيف أفضل ما يمكننا تقديمه كصنّاع قرار.

إنها فرصة سانحة لتبادل الأفكار، واستكشاف آفاق جديدة للعمل بشكل مغاير، سعياً لاختبار قدراتنا والارتقاء بها نحو الأفضل. وهذا يمثل تحدياً علينا أن نتصدى له جميعاً.

أخاطبكم اليوم بصفتي رئيس وزراء إقليم كوردستان العراق، الإقليم الذي تمكن على مدى العقدين الماضيين من بناء وتثبيت نفسه من بين ركام العراق السابق. مع ذلك، أتحدث إليكم أيضاً كشخص يقف إلى جانب صنّاع القرار في منطقتنا الغالية ممن يواجهون الكثير من التحديات نفسها.

لقد اعتدنا جميعاً، بطريقة أو بأخرى، على العيش في ظل التوترات والاضطرابات، والعديد من الأزمات التي استدعت إدارة حكيمة على مدى عقود مضت على أقل تقدير. فالحروب والتمرد والصعوبات وعدم الاستقرار الاقتصادي أصبحت للأسف جزءاً من تكويننا. لا يمكن التغاضي عن التبعات التي خلفتها تلك التحديات على التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

لكن عند مشاوراتي مع أصحاب الشأن في الشرق الأوسط وخارجه، لمستُ وجود إرادة للتحرر من مآسي ماضينا المشترك. ففي أنحاء منطقتنا كلها، ثمة عزيمة للانفتاح على التقدم، وإدراك أن التغيير ليس حتمياً فحسب، بل هو ضروري.

تتطلع الشعوب إلى حقها في تقرير مصيرها على المستوى الفردي والجماعي. إن تقرير المصير يشكّل دافعاً أساسياً لطبيعة الإنسان، ونحتاج إلى تأمين بيئة تمكّن المواطنين من العيش برفاهية.

أعتقد أن هناك أربع ركائز لبلوغ التقدم الذي نسعى إليه جميعاً؛ الاستقرار السياسي والأمن والازدهار الاقتصادي ومكافحة التغيّر المناخي. هذه المسائل متشابكة، غير أن معالجتها تتطلب أيضاً نهجاً خاصاً لكل منها.

لا شك في أن العديد من القضايا الجيوسياسية في منطقتنا قد وُضعت في سلة المشاكل العصية لفترة طويلة جداً. ولكن لماذا نظل نتجاهلها؟ إن امتلاك الشجاعة للإقرار بوجود مشكلة يمثل الخطوة الأولى نحو حلها.

إن الأزمة التي نشهدها في فلسطين مقلقة للغاية بالنسبة للكثير منّا لأسباب جمة، خسائرها الإنسانية الباهظة على المدنيين، وقدرتها على تأجيج الفوضى خارج غزة، فضلاً عن عدم معالجة الأسباب الجذرية للظلم. فلو جرى التعامل مع الحقوق الأساسية للفلسطينيين قبل 80 عاماً، أو في العقود التي تلت ذلك، لما وصلنا إلى هذه المرحلة المأساوية التي نشهدها اليوم. ولكن بدلاً من ذلك، تُركت القضية تتفاقم، في حين استغلّ أصحاب المصالح الفراغ الحاصل لفرض أجنداتهم المتضاربة.

يمكن قول الشيء نفسه عن محنة الشعب الكوردي. نحن لدينا أيضاً مطالب مشروعة بتقرير المصير. تلك الحقوق اعترف بها أصدقاؤنا وحلفاؤنا، لكنهم في الوقت ذاته يخبروننا أن الضرورات السياسية تحول دون تقديمهم المساعدة في تحقيق العدالة التاريخية.

يُطلب منا أن نذعن للظلم، بينما يغذي الظلم، إلى جانب اللامساواة والفقر والفساد، عدم الاستقرار السياسي. لكي يُظهر المواطنون والمجتمعات والأطراف الأخرى في المجتمع ولاءهم بالطريقة المتوقعة منهم، ينبغي أن يشعروا بأنهم يحصلون على قدر من العدالة الطبيعية. لا بدّ من السماح لهم برسم مستقبلهم وفقاً لشروطهم الخاصة. لا ينبغي لأحد أن يهلع من احترام حقوق الأمم، أو في حالتنا كحقوق شعب. فاحترام هذه الحقوق يعزز الاستقرار ويحقق الازدهار.

على الصعيد الأمني، نحتاج إلى بذل المزيد من الجهد لمعالجة أمننا الجماعي. فقد كان تعاوننا كإقليم لهزيمة آفة داعش نموذجاً يُحتذى به بشأن كيفية تحقيق الأهداف، وكيف يمكن لأصحاب العقول المنسجمة أن يعملوا جنباً إلى جنب. مع تصاعد التوترات في غزة والعراق وسوريا والبحر الأحمر، بات من الضروري وضع خطة جديدة لحماية المصالح الوطنية والإقليمية والعالمية.

لا بد من محاسبة كل من يسعى إلى الحروب لتحقيق مصالحه من خلال تهديد الأمن الإقليمي.

لا يمكن للمجتمع الدولي التهاون مع مصادر التهديدات حتى لو تعارضت مع المصالح الخاصة. وعلى الصعيد الإقليمي، ندفع ثمناً باهظاً بسبب مواقفنا. تواجه المنطقة الآن أزمات بأشكال مختلفة، مما يحتم علينا أن نعمل بشكل جماعي لحماية الأمن والاستقرار الإقليميين. في حالتنا، تعرضنا لاستهداف غير مبرر. يجب أن ينتهي هذا العدوان. كما قلتُ مراراً، هنا، وفي عواصم أخرى، لم تكن كوردستان قط مصدر تهديد لأي شخص في المنطقة. نحن عامل سلام واستقرار، ونريد أن يرتكز السلوك الإقليمي على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.

نتوقع الدعم ونحتاج للعمل المشترك لدرء المخاطر الأمنية الجسيمة التي من شأنها أن تقوض كل ما حققناه.

لتكن هذه لحظة تاريخية يستطيع أن يقول الزعماء خلالها في كل مكان لقد طفح الكيل. إننا بحاجة إلى حلول دائمة للبت في المشاكل المشخصة بوضوح.

لقد وقفنا إلى جانب حلفائنا خلال طاعون داعش. كان ذلك العمل الصائب الذي اضطلعنا به، ولو لم ننجز ذلك، لتحولت المنطقة الآن إلى مكان مختلف كلياً، منطقة تعج بالإرهابيين العالميين ممن عززوا موطئ قدم لهم في قلب الشرق الأوسط، لينشروا الفوضى بيننا متى شاءوا.

لكننا انتصرنا. لقد رسخت نضالات السنوات العشرين الماضية، وعقود المقاومة الكوردية التي مهدت لها، حقنا المشروع كشعب له سيادة وجزء لا يتجزأ من الشرق الأوسط.

لقد كان إرساء اقتصادنا على أساس متين بمثابة الركيزة الأساسية لما أنجزناه في كوردستان، كما أن التنمية الاقتصادية على نطاق أوسع تمثل محوراً حيوياً للنمو والاستقرار الإقليميين.

يجب أن تكون رفاهية الشعوب على رأس أولويات القادة، ومواصلة الاستثمار في الموارد البشرية. فممارسات الحكم الرشيد أمرٌ بالغ الأهمية للارتقاء بمجتمعاتنا وثقافاتنا السياسية، ومن واجبنا أن نُلبي توقعات المواطنين. فالازدهار والتنمية يخلقان فرص العمل، مما يغذي الأمل والطموح. وإذا تمكّنا من توفير بيئة اقتصادية وسياسية تقلل من الفقر والفساد، فإننا بذلك نُقلص من فرص انتشار التطرف، ونعزز دعائم الاستقرار السياسي والأمني.

بوسعي القول وبكل اطمئنان إن هناك إرادة جماعية لمواجهة أحد أكبر التحديات التي تواجهنا، ألا وهو التغيّر المناخي، وذلك من خلال اتباع نهج جديد مغاير لما هو قائم. فقد أثمرت الاستضافة الناجحة لدولة الإمارات العربية المتحدة لقمة المناخ COP28 العام الماضي عن تعهد راسخ يرمي إلى تغيير مسار الاحتباس الحراري العالمي قبل أن يُلقي بظلاله المدمرة على كوكبنا إلى الأبد.

إن التحدي الذي يواجهنا يتطلب قرارات حازمة لتنويع مصادر الطاقة والاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة.

تعدّ دولة الإمارات من الرواد العالميين في مثل هذه التكنولوجيا الحديثة. تقع كل من دبي وأربيل في نواة كوكب يزداد حرارة، وندرك تماماً المخاطر الجسيمة المترتبة على تجاهل هذا الواقع الكارثي.

تواجه العديد من الالتزامات المُتعهد بها إلى الآن تضارباً مع المصالح الاقتصادية قصيرة الأجل. لكنها تُتخذ للحفاظ على مستقبل الأجيال القادمة. ولا شك في أنّ التحول إلى مصادر الطاقة النظيفة قد يكون مكلفاً على المدى القصير، لكن فوائده على المدى البعيد لا حصر لها.

علينا أن نتحلى بالشجاعة، والصراحة، والإحساس بالمسؤولية لاتخاذ مثل هذه القرارات الصعبة. فإن فشلنا في ذلك، فإن الجزء الذي نعيش فيه من العالم سيصبح فرناً لا يُطاق طوال حياتنا. ستصبح مساحات واسعة من الأراضي غير صالحة للسكن، وستجف مصادر المياه، وسيشكّل الأمن الغذائي تحدياً كبيراً. ويمكن أن تُفضي هذه العوامل إلى التصحر والهجرة الجماعية والانهيار الاقتصادي.

بعد ذلك، سنشهد هجرات داخلية وأخرى دولية وتغييرات ديموغرافية. فالتنافس على الموارد الشحيحة سيدفع الشعوب إلى الصراع، ممّا سيُفاقم مشكلة دولية بأبعاد متعددة. ستُلزم الهجرة الجماعية كل بلدٍ بالتعامل مع تحديات اقتصادية وسياسية وثقافية وأمنية.

لقد أصبحت القيادة التي تحمل هدفاً واضحاً أكثر ضرورة من أي وقت مضى. علينا تشجيع ومكافأة القادة من أصحاب المبادئ الثابتة، سواء من بين صانعي القرار الحاليين على الساحة العالمية أو من الأجيال القادمة. لا بد لنا أن نميز بوضوح بين من يساندون التقدم والحداثة وبين من يعتزمون إعاقتنا.

السيدات والسادة، معاً، يمكننا أن نستنهض الهمم لمواجهة التحديات التي تعيق تقدمنا. النظرة إلى المستقبل ليست بالأمر السهل على القادة دائماً، إلا أن مسؤوليتنا تقتضي ذلك. إننا مدينون بذلك تجاه من وضعوا ثقتهم بنا.

أشكركم جميعاً جزيل الشكر على حضوركم هنا اليوم، وأتمنى أن يكون هذا المؤتمر منتدى للأفكار الخلّاقة.

شكراً جزيلاً لكم.