سیاسة
انس محمود الشيخ مظهر
انس محمود الشيخ مظهر

آرا

كوردستان والوجه الأخر للحرب الطائفية

كوردستان والوجه الأخر للحرب الطائفية
كوردستان والوجه الأخر للحرب الطائفية

لأكثر من مرة أكد السيد مسعود البارزاني رئيس إقليم كوردستان أن الإقليم لا يمكن أن ينجر إلى الحرب المذهبية التي تعم المنطقة ولن يكون ساحة لها، وقد نجح الإقليم بان ينأى بنفسه عن تلك الحرب لسبب بسيط وهو ان المجتمع الكوردستاني شعبا وأحزابا هو اقرب للعلمانية منه إلى التطرف الديني، وحتى أحزابه الإسلامية تمتلك رؤى معتدلة قياسا بأقرانها في المنطقة، ولكن يبقى السؤال هل استطعنا في الإقليم أن ننأى بنفسنا عن تبعات تلك الحرب؟

لا نريد هنا ان نجلد أنفسنا ونبالغ في التشاؤم، الا ان ما يواجه الاقليم من تحديات خارجية وداخلية تجعلنا نرى الموضوع من زاوية الحرص على هذا الكيان الواعد، بعد ان وضعتنا الظروف السياسية المحيطة بنا امام خيارات أحلاهما صعب... فاما الذهاب الى تقسيم الإقليم الى أقاليم وهذا ما يخطط له الآخرون ويرفضه جميع الشعب الكوردي بالمطلق، او ان تكون الاحزاب الكوردية على قدر المسؤولية وتحاول تصفير مشاكلها بشكل جذري، بعد ان اثبتت الاحداث عدم جدوى الحلول الترقيعية وفي نفس الوقت عدم قدرة اي طرف سياسي على تحييد الاطراف الاخرى والسيطرة على الوضع الكوردي بمفرده.

ان خطورة الوضع في كوردستان لا تقتصر على المشاكل الظاهرة على السطح، بل تتعداها الى العامل الخارجي الاقليمي الذي يزيد من خطورتها، فالدول المحيطة باقليم كوردستان قد تختلف في الكثير من الملفات، الا انها متفقة فيما بينها تماما في رؤيتها للملف الكوردي وكيفية التصدي للطموح الكوردي المتنامي في اجزاء كوردستان الاربعة، وتنسق الأدوار فيما بينها مستغلة الخلافات السياسية بين احزاب كوردستان بغية جرها لمواقف تزيد من هوة الخلاف بينها.

الدور الايراني:-

لقد نجحت ايران في نقل تجربتها مع الوضع العراقي واستنساخها في كوردستان، ففي العراق تتمتع ايران بعلاقات جيدة مع جميع الاحزاب الشيعية الا انها ارست علاقات متميزة مع جناح المالكي في حزب الدعوة الذي تبنته ودفعت لصدارته بعض الساسة الذين لا يفقهون في السياسة شيئا سوى تصعيد المواقف مع جميع الاطراف عراقية كانت ام اقليمية بما يخدم التوجهات الايرانية، وبعد نجاح تجربتها هذه في العراق حاولت استنساخها نصا في كوردستان. فعلاقاتها جيدة مع جميع الاطراف الكوردستانية الا انها تتمتع بعلاقات متميزة مع حركة التغيير التي انشقت من الاتحاد الوطني، ووضعت في واجهتها البعض ممن لا يعرفون في السياسة شيئا سوى تصعيد المواقف السياسية وإثارة المشاكل. وقد دفعت هذه العلاقة المتميزة بين الطرفين حزب الاتحاد الوطني للعمل على الحفاظ على علاقاتها التاريخية مع ايران ومنافسة حركة التغيير في ذلك، وبذلك أصبح الحزبان أسيري الأجندات الإيرانية، تجلى ذلك مؤخرا في تنافس الحزبين على تحصيل الرضى الايراني من خلال مواقفهما ازاء بعض المشاكل العالقة بين اربيل وبغداد متخذين مواقف لصالح بغداد على حساب الاقليم. وهكذا فان خطورة مواقف الحزبين تكمن في أنهما يحاولان الرهان على قضايا مصيرية للشعب الكوردي لمصالح حزبية ضيقة وان كان من خلال اثارة المشاكل دون تقديم شيء للشارع الكوردستاني.

تركيا:-

اما تركيا فانها تتعامل مع اقليم كوردستان على ضوء تبعات الوضع الكوردي في تركيا، ففي الوقت الذي تحارب فيه حزب العمال الكوردستاني، تحاول تركيا مد جسور التفاهم مع حزب الاغلبية في حكومة اقليم كوردستان المتمثل بالحزب الديمقراطي الكوردستاني، وقد وعى الحزب الديمقراطي الكوردستاني منذ البداية للتوجه التركي هذا وسيمد جسور التفاهم والثقة مع تركيا على أساس المصالح المشتركة، لكن دون تمكين تركيا من استغلال تلك العلاقات لتؤثر سلبا على وضع الكورد هناك. إلا أن ما يؤسف له هو وقوع حزب العمال الكوردستاني في فخ السياسة التركية تلك، فأصبح يتعامل بعدائية مع إقليم كوردستان وحزب الأغلبية فيه، ترجمها على الساحة الكوردية في العراق وسوريا، فيمنع حزب الاتحاد الديمقراطي السوري (الجناح السوري لحزب العمال) أي حزب كوردي سوري يتمتع بعلاقات جيدة مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني من العمل السياسي على ارض كوردستان سوريا، وأيضا في إقامة علاقات مشبوهة مع حكومة بغداد بشكل يؤثر سلبا على حكومة إقليم كوردستان، تمثل ذلك بموقف حزب العمال من وجوده في مدينة شنكال (سنجار) وإصراره على البقاء فيها وتشكيله لمجاميع مسلحة ترتبط مباشرة بحكومة بغداد.

لقد تنبهت تركيا الى وقوع حزب العمال الكوردستاني في فخها السياسي واصبحت تتحرك وفق هذه الثغرة لتوسيع الفجوة في العلاقات الكوردية الكوردية، ففي الوقت الذي مارست فيها تركيا ضغوطا كبيرة على أمريكا لانسحاب عناصر حزب الاتحاد الديمقراطي من غرب الفرات في سوريا، لم تبد اي اهتمام حول وجود عناصر نفس الحزب في مدينة سنجار في كوردستان العراق، لإدراكها بان استمرار وجود عناصر حزب العمال هناك سيعمق الخلافات الكوردية الكوردية، وسيعطي مبررا لتركيا للتوغل في أراضي كوردستان العراق في اي وقت تشاء بحجة الحفاظ على امنها الوطني، وللاسف فان حزب العمال الكوردستاني بقي اسير هذا الموقف بقصد او بدون قصد.

اما الموقف الامريكي فهو لا يختلف كثيرا عن مواقف ايران وتركيا وان كان بأجندات أخرى بعيدة عن الخوف من استقلال اجزاء كوردستان، فمن المعروف ان السياسة الامريكية تعتمد على ارساء تحالفاتها مع اطراف متعددة في المناطق التي تحوز على اهتمامها، وتدير هذه الخلافات بالشكل الذي يتوافق مع مصالحها واجنداتها بحيث تبقى جميع تلك الاطراف بحاجة مرغمة على طلب الود الامريكي. وهذا ما تفعله تماما في تحركاتها في منطقتنا خاصة في الملف الكوردي فيه. فلا يبدو ان امريكا مهتمة بحل المشاكل بين الاحزاب الكوردية، كما فعلت في بداية القرن الحالي عندما ضغطت على الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني لإنهاء خلافاتهما استعدادا لمرحلة ما بعد صدام حسين. كذلك لا تبدو انها مهتمة بتنقية الاجواء بين حكومة اقليم كوردستان والادارة الذاتية في كوردستان سوريا، مع ان امريكا تتمتع بعلاقات متميزة مع جميع الاطراف الكوردستانية سواء في سوريا او في العراق.

نلاحظ مما سبق ان الكورد وان لم يكونوا قد دخلوا الحرب الطائفية التي تشتعل أوزارها في المنطقة فانهم قد تأثروا بشكل واضح بتبعاتها مخيرين لا مجبرين. وان كانت الاطراف الاقليمية والدولية تشجع على ديمومة تلك المشاكل فانها ليست المتسبب الرئيسي لها، فالمسؤولية الكاملة تقع على عاتق الاحزاب الكوردستانية نفسها في اعطائها المصلحة الحزبية اولوية على حساب المصالح العليا للشعب الكوردي متناسين بان المياه الراكدة حاليا في كوردستان ان لم تتحرك فسيأتي عليها شتاء قارس لن يذيب صقيعها الا دفيء ربيع كوردي لا اتمنى ان يكون كدفيء الربيع العربي الذي لم يبق ولم يذر.