سیاسة
انس محمود الشيخ مظهر
انس محمود الشيخ مظهر

آرا

المليشيات الشيعية وداعش في ميزان الإرهاب.. من الأخطر؟

المليشيات الشيعية وداعش في ميزان الإرهاب.. من الأخطر؟
المليشيات الشيعية وداعش في ميزان الإرهاب.. من الأخطر؟

كنا قد دعونا قبيل الحرب على الإرهاب وفي أكثر من مقال الى ان تشمل هذه الحرب ايضا المليشيات الشيعية التي كانت قد بدأت حينها بالظهور في سوريا والعراق والتاثير على الوضع الداخلي في البلدين. غير أن تطورات الثورة السورية وتصدر داعش لمشهدها ومن ثم دخولها وسيطرتها على ثلث العراق جعل الاهتمام ينصب على محاربتها دون الأطراف الأخرى. اما اليوم ونحن على أعتاب انتهاء حقبة داعش في البلدين، فان المجتمع الدولي مطالب للنظر بجدية لمخاطر وجود المليشيات الشيعية المسلحة وتهديدها للسلم الاهلي والاستقرار في المنطقة بشكل لا يقل خطورة عن تهديد داعش، والعمل على تحجيمها او إنهاء وجودها بنفس الجدية التي تعامل بها مع داعش. صحيح ان داعش وهذه المليشيات الشيعية يقفان على طرفي نقيض من حيث التوجه المذهبي، الا انهما يشتركان في الكثير من النقاط التي تجعل منهما وجهين لعملة واحدة، سواء من ناحية البنية الفكرية والممارسات، او النهج والتوجهات، وحتى نوعية الأهداف التي يعملان لأجلها. فالطرفان يتبنيان الإسلام السياسي كنظرية للوصول إلى السلطة، وللوصول إلى هذا الهدف المقدس وتمكين حكم الله على الأرض (كما يزعمون) فكل شيء مباح من قتل ونهب ودمار وانتهاك لحقوق الإنسان، فالممارسات التي يراها المجتمع الانساني بانها جرائم يراها الطرفان انها جهاد في سبيل الله، هذا فيما يتعلق بنقاط التشابه بين الطرفين. اما نقاط الاختلاف بينهما فهي كثيرة ومتعددة، وكلها تؤكد وبشكل لا لبس فيه أن خطورة هذه المليشيات تفوق خطورة داعش من حيث الامكانيات والاعداد والاطراف الداعمة لها، وسنحاول فيما يلي سرد بعض  هذه النقاط:

اولا- في الوقت الذي لم تحز فيه داعش على دعم أي جهة دولية او اقليمية لا سياسيا ولا عسكريا (على الاقل في العلن)، بل كانت منبوذة ومحاصرة من المجتمع الدولي كله، فان المليشيات الشيعية تحوز على دعم وتأييد سياسي وعسكري من أكثر من دولة ونظام في المنطقة .

ثانيا- استطاعت المليشيات الشيعية وبدعم إيراني من استغلال الظروف الداخلية للدول التي نشأت فيها، لتتحول في بعضها إلى دولة داخل دولة، وفي اخرى لتحل محل الدولة ذاتها.

فعلى سبيل المثال استطاع حزب الله من استغلال الظروف الداخلية في لبنان وتأسيس دولة له داخل الدولة اللبنانية، يتحرك من خلالها لفرض سيطرتها على القرار اللبناني بما يتلاءم والأجندات الإيرانية، مما ادى الى ان يصبح القرار اللبناني أسيرا بيد حزب الله .

اما في العراق فقد استطاعت الاحزاب الشيعية الحاكمة في بغداد استغلال سيطرة داعش على مدن عراقية لتشكيل مليشيات الحشد الشعبي بدعم مباشر من إيران وبمباركة مراجع شيعية في العراق وإيران، لتتحول الى قوة عسكرية تفوق قوة الجيش العراقي، وبتمرير قانون الحشد الشعبي سيطرت على مؤسسة الجيش وقراره العسكري، ثم استحوذت على الملف الأمني بشكل مباشر بعد توزير شخصية مليشياوية على رأس وزارة الداخلية، وبذلك فرضت هيمنتها على أهم وزارتين في البلد وهما وزارة الدفاع والداخلية.

أما في اليمن فقد حاولت إيران تكرار تجربتها في سوريا والعراق من خلال دعم ميليشيات الحوثيين الا انه تم إجهاض محاولتها تلك من خلال عاصفة الحزم التي شنها التحالف الإسلامي لمنعها .

ثالثا- في الوقت الذي لم يتمكن داعش من تسخير الإعلام من خلال بعض مواقع الانترنت، تمتلك المليشيات الشيعية رسميا ماكينة إعلامية ضخمة في أربع دول (إيران- العراق- سوريا – اليمن – لبنان) تسوق أفكارها وتفرض وجهة نظرها على الشارع من خلال شيطنة وجهة النظر المقابلة. ليس هذا فحسب بل ان الحكومة العراقية اصدرت قرارات بمعاقبة كل من ينتقد ممارسات هذه المليشيات وكل من يتعرض لجرائمها في القتل والنهب والسرقة.

رابعا- هناك نقطة  قد تفسر بانها ليست من مصلحة هذه المليشيات، الا انها تخدمها بشكل كبير، وهي فوضوية تنظيماتها وضبابية قياداتها. فلحد الآن لا يعرف عدد هذه المليشيات، ولا عدد الفصائل المنضوية تحتها (باستثناء المليشيات الرئيسة)، ولا من أين يتلقون الاوامر. فالصلاحيات متداخلة، والواجبات متضاربة، والأدوار مختلفة. هذه الفوضوية والضبابية ليست عفوية بل هي مقصودة، تعطي تلك المليشيات مرونة في الحركة وقدرة على الإفلات عن أي مسؤولية أو مساءلة مستقبلا، وتمكنها من التملص عن انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب التي ترتكبها عناصرها، فلم يعرف لحد الان الجهات التي تقوم بقتل وخطف وترويع المواطنين المدنيين (عراقيين كانوا ام اجانب)، ولم تجر محاكمة اي عنصر من عناصرها. ويمكن تصنيف مليشيات الحشد الشعبي بشكل عام إلى ثلاث فئات:

- فصائل تابعة رسميا لأحزاب وشخصيات شيعية مشاركة في العملية السياسية كميليشيا بدر الذي يتزعمها هادي العامري، او(سرايا عاشوراء) و(سرايا الجهاد والبناء) التابعين للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية. ميليشيات هذه الفئة ملتزمة بمحاربة داعش داخل العراق، دون ان تسجل عليها خروقات او استفزازات لجهات داخلية او خارجية، جامعة بين العمل السياسي والعمل العسكري. ورغم وجود علاقات وطيدة بينها وبين ايران الا ان لها توجهاتها المستقلة التي تمكنها الى حد ما من التواصل باستقلالية مع الآخرين .

- فصائل منفلتة يترأسها أشخاص مرتبطون بدوائر ومؤسسات إيرانية، يتزعمها أشخاص مغمورون اخذوا فرصتهم في الظهور بعد دخول داعش للعراق، كعصائب اهل الحق والنجباء وكتائب حزب الله وسرايا الخراساني، الدور المنوط إليها لا يختلف عن الدور المنوط باي عصابة من قتل ونهب وترويع للمدنيين والتمثيل بجثثهم، وإطلاق تهديدات استفزازية فارغة لجهات داخلية وخارجية حسب التوجيهات الإيرانية، وهم غير ملتزمين بالقتال فقط داخل العراق وإنما في أي مكان توجد فيه مصالح إيرانية.

- سرايا السلام التابعة للسيد مقتدى الصدر والتي لها خطها المستقل البعيد (ظاهريا) عن الأجندات الإيرانية، تحاول العزوف عن البعد الطائفي وإعطاء نفسها صبغة وطنية فيما يتعلق بداخل العراق. الا انها تعاني من ازدواجية الطرح.. ففي الوقت الذي تعارض فيه قتال المليشيات العراقية في سوريا تهدد دولا خليجية وتفتي بشأنها حسب توجيهات القيادة السياسية للتيار الصدري، الامر الذي يثير الكثير من الشكوك حول ما اذا كان موقفها الوطني المعلن هو موقف راسخ في عقيدتها ام انه لا يعدو كونه توزيعا للأدوار انيط بها من قبل ايران .

لذلك وكما أسلفنا فان هذه الضبابية وتعدد المواقف والادوار هو امر مقصود وليس فوضويا، الهدف منه تشتيت اي موقف مستقبلي من اي جهة تجاه هذه الفصائل، والتهرب من أي مساءلة قانونية لفصائلها مستقبلا.. ليس هذا فحسب بل ان الحكومة العراقية تقصدت الضبابية حتى في قانون الحشد الشعبي كي لا تلزم بعض المليشيات المنفلتة بمواقف رسمية للمؤسسة العسكرية وتعطيها المجال للحركة خارج العراق ايضا وكذلك ارتكاب جرائمها بعيدا عن اي قيود، وتبعد نفسها بنفس الوقت من تحمل مسئولية جرائمها.

خامسا- من المعروف ان هذه المليشيات تؤمن بعقيدة ظهور المهدي وتتبناها في إستراتيجيتها العسكرية مما يجعلها اكثر خطورة عل الواقع العراقي والإقليمي. فظهور الامام المهدي وحسب ما يؤمنوا به لا يكون الا بعد ان تمتلئ الأرض جورا وظلما وبعد ان تثخن فيها الدماء، ويؤمن فقهاء الشيعة بقرب ظهوره اعتمادا على ما عندهم من روايات، وعليه فكل هذه الفصائل تأمل بأن تكون ضمن جيش المهدي، وعليه فإنها ترى بان إفشاء القتل والدمار في المنطقة هو عمل مشروع مقدس طالما سيعجل من  ظهور إمامهم،  مما يشير إلى أن العراق ينتظره مستقبل مظلم بوجود هذه المليشيات.

سادسا- تشكل هذه المليشيات مصدر تهديد للكثير من الدول السنية  التي تراها ايران بانها تمثل تهديد لها ولأجنداتها خاصة دول الخليج العربي، وخلال السنوات السابقة كانت لهذه المليشيات مواقف متشنجة جدا إزاء هذه الدول من خلال تصريحاتها التهديدية، ويبدو ان هذه المليشيات مستعدة للقتال بالنيابة عن إيران وجعل العراق بوابة غربية لها للدفاع ليس عن العراق وإنما عن ولاية الفقيه الإيرانية.

 

هذه المقالة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تتبناها كوردستان24 بأي شكل من الأشكال.