جاوان حسين احمد
ناشطة اجتماعية
العنف
إن العنف موجود مع وجود الأنسان، لكن انتشاره وازدياده وتعدد أشكاله هو ما يستدعي التحليل والبحث
المقدمة
يعتبر العنف من الظواهر التي برزت في مجمل أوجه الحياة الاجتماعية اليومية بشكل بارز بل ومخيف، ففي كل مفاصل المجتمع نجد وجهاَ أو نوعاَ للعنف، ومع هذا الظهور والانتشار الكبيرين يزداد عدد ضحايا العنف تباعاَ، فالعنف بكل أشكاله ومستوياته يظهر وينعكس على الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية والدينية. ورغم انه برز بشكل كبير في السنوات الأخيرة، إلا انه قدم النشأة والوجود، يمتد بجذوره أعماق النفس البشرية، ولا يكاد مجتمع يخلو من العنف ومظاهره، مع الأخذ بنظر الاعتبار وجود فوارق في أنواعه ومعدلات حدوثه وتكراره وانتشاره.
لذا من الضروري أن نقف عند الظاهرة ونحاول أن نحللها ونفهمها، ونعمل على إيجاد خطوات حلها، إن ازدياد ممارسة العنف حجماً وتنوعاً في الأساليب جعل من العنف سلوكاً ظاهراَ في بعض مستويات السلوك الاجتماعي، الذي يظهر بشكل فعل عدواني من فرد أو جماعة أو جهة تجاه الأخر بهدف إخضاعه والتسبب بأضرار نفسية ومعنوية ومادية وجسدية.
إن العنف موجود مع وجود الإنسان، لكن انتشاره وازدياده وتعدد أشكاله هو ما يستدعي التحليل والبحث عن الحلول، ولابد من الأشاعرة الى أن هذه الزيادة تشمل مراحل عمرية مختلفة من الطفولة الى المراهقة الى الكبر سواء (المعتدي بالعنف أو الضحية) ولكل من الإناث والذكور.
إن حركة التغيير السريعة التي يشهدها العالم بسبب التقدم الرقمي والانفتاح الكبير على التكنولوجيا وتقلص المسافات والحواجز خلق حالة من التصادم بين الثقافات والانبهار والتقليد وغيرها من نتاج الانفتاح.
ومن هذه المظاهر العنف الرقمي والرمزي وهي سلوك العنف الإلكتروني الذي يأتي عن طريق استخدام التكنولوجيا الرقمية عبر الأنترنت والهواتف الذكية المحمولة ومواقع التواصل الاجتماعي وغيرها، فأصبحت هذه التقنيات الرقمية مصدراَ للتسلية والتحرش والابتزاز والانتقام، والإتجار، ونذكر هنا العنف الرقمي والرمزي في المجتمع باعتبارها من أنواع العنف التي تشكل نسبة عالية جداَ في الوقت الحالي.
فكرة البحث
مع بقاء العنف في المجتمع و تغيره شكلاً و تأثيراً مع التغييرات المستمرة والانفتاح الكبير مع العالم فإن مشكلة العنف ضد المرأة تشهد حالة من التزايد في المجتمع و نسبة الزيادة ترتبط بشكل أو بآخر مع وضع المجتمع واستقراره أو أزماته، و العنف ضد المرأة جزء لا يتجزأ من ظاهرة العنف العام التي تسود المجتمع وفي السنوات الأخيرة شهد ازدياداً كبيراً في الحالات المسجلة رسمياً وهو سلوك أو فعل موجّه إلى المرأة يقوم على القوة والشدّة والإكراه, ويتسم بدرجات متفاوتة من التمييز والاضطهاد والقهر والعدوانية، ناجم عن علاقات القوة غير المتكافئة بين الرجل والمرأة في المجتمع والأسرة على السواء، والذي يتخذ أشكالا نفسية وجسدية ومتنوعة في الإضرار.
ومن هنا فإن فكرة البحث تقوم على طرح فكرة العنف الموجه ضد المرأة وتحديداً العنف الرقمي والرمزي باعتبارهما عنفا حديث الظهور ومصاحب لحركة الانفتاح والتطور التكنولوجي في المجتمع لذا يطرح البحث عدة نقاط وهي:
- التعرف على العنف الرقمي والرمزي والعوامل المؤدية الى ظهوره وتزايده.
- أشكال العنف الرقمي.
- كيفية وماهية الوسائل الإجرائية المجتمعية والقانونية للتقليل والحد منه.
مفاهيم أساسية
العنف:
تختلف تعاريف وتصنيفات العنف بحسب نوع النوع، والاستخدام الأكثر شيوعاَ هو أداة للتأثير على الآخرين، ومن الممكن أن يظهر بصور متعددة منها التلفظ بكلمات أو ضرب بين شخصين وصولاً الى الإيذاء البدني والقتل وحتى الحرب التي تكون نتائجها بشرية ومادية.
والعنف هو أي فعل أو قول أو تهديد بناء على التكوين الاجتماعي في إطار العلاقات الأسرية على أساس الزواج أو القرابة الى الدرجة الرابعة أو الذين انضموا الى الأسرة وفقاً للقانون، والذي من شأنه أن يؤدي إلى الإضرار من الناحية البدنية أو الجنسية أو النفسية أو يؤدي الى انتهاك الحقوق والحريات.
والعنف ضد المرأة هو استخدام فعل عنف ضد المرأة يسبب إيذاء أو معاناة من الناحية الجسدية كالإيذاء والاعتداء والاغتصاب، أو من الناحية المعنوية كالعنف الرمزي واللفظي والاجتماعي والنفسي، وبضمنها التهديد والابتزاز والنبذ والحرمان من الحقوق.
وبحسب تعريف الأمم المتحدة فإن العنف ضد المرأة هو أيّ فعل عنيف تدفع إليه عصبية الجنس ويترتب عليه، أو يرجح أن يترتب عليه، أذى أو معاناة للمرأة، سواء من الناحية الجسمانية أو الجنسية أو النفسية، بما في ذلك التهديد بأفعال من هذا القبيل أو القسر أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء حدث ذلك في الحياة العامة أو الخاصة.
العنف الاجتماعي: ويُعرف انه استخدام الضغط أو القوة استخداماً غير مشروع أو غير مطابق للقانون من شأنه التأثير على إرادة فردٍما، وهو أحد أكثر أنواع العنف انتشاراً ويظهر بشكل التقييد والإلزام وتحديد الأدوار، وتقييد الحريات الشخصية في التعليم والعمل والاستيلاء على أموالها والميراث.
العنف النفسي: هو السلوك الذي يتسم بالقسوة والشدة والإكراه، إذ تستثمر فيه الدوافع العدائية ومن سلوكيات العنف النفسي، رفض الفرد وعدم قبوله، والإهانة والتحقير والتخويف والعزل والاستغلال والبرود العاطفي، والصراع واللامبالاة وعدم الاكتراث بالآخرين وإهمالهم واستغلالهم.
العنف اللفظي: يظهر بشكل كلام جارح ومهين وتهديد والانتقاد الجارح، والإذلال والشجار الحاد يخلق ضغطاً نفسياً وحالة من الحزن والخوف والاضطراب وانعدام الثقة والأمان، لجعل المعنفة الشعور بالضعف والفشل والتقليل من القيمة أمام نفسها أو أمام المجتمع، وقد يؤدي إلى الإصابة بأمراض نفسية حادة كالاكتئاب.
العنف القانوني: ويظهر بشكل التمييز ضد النساء على أساس النوع الاجتماعي، في الدساتير أو القوانين، ما يسبب الأذى للمرأة، فتكون السبب بحدوث ضرر نفسي، أو جسدي، أو اقتصادي، أو جنسي، كقوانين الأحوال الشخصية ما يخص قضايا تعدد الزوجات والطلاق التعسفي، فقد يكون عن طريق تشريع قوانين تجرم سلوك معين للمرأة غالبا ما يتخذ شكل السلوك الجنسي، والسياسات المعنية بالتعقيم ألقسري والإجهاض ألقسري، وكذلك السياسات المعنية بالحجز الوقائي الذي يكون بمثابة سجن، والى غير ذلك من السياسات والقوانين التي لا تعترف باستقلال المرأة ونيابتها وتشرع سيطرة الذكر على الأنثى. كما ويمكن للدول أيضا أن تتغاضى عن العنف بافتقار قوانينها إلى النصوص أو بعدم تنفيذها تنفيذا فاعلا مما يمكّن مرتكبي العنف ضد المرأة من الإفلات من العقاب.
العنف الجنسي: تقوم على أساس العنف والإجبار بدون رضا المرأة و تتعرض خلالها المرأة للتعنيف اللفظي و الجسدي والتهديد، والاغتصاب وهذا النوع من أكثر الأنواع تكتماً وإخفاءً وخاصة عندما تكون بين الزوجين وتخضع لاعتبارات اجتماعية تحت مظلة العادات والتقاليد.
العنف الرمزي: عبارة عن عنف غير محسوس، وهو غير مرئي بالنسبة للضحايا أنفسهم وهو عنف يمارس عبر الطرائق والوسائل الرمزية كالكلام والتعليم والتربية والثقافة وأساليب التنشئة الاجتماعية وأشكال التواصل في المجتمع.
والعنف الرمزي هو نوع من الغزو الثقافي الذي يتمثل بالهيمنة التي يمارسها أصحاب النفوذ على اتباعهم بصورة مقنعة وخادعة بفرض مرجعياتهم الأخلاقية والفكرية على الآخرين من اتباعهم ويولدون لديهم إحساساً عميقاً بالدونية والعطالة والشعور بالنقص والضعف والافتقار الى الجدارة والموهبة والشرف والكرامة.
العنف الرقمي: هو العنف الذي يمارس من خلال مواقع الصحف الإلكترونية، واستخدام كاميرات الموبايل، والبلوتوث، والتسجيلات الصوتية، بالإضافة لاختراق الخصوصيات عبر مواقع الإنترنت؛ بهدف إيقاع الأذى بالآخرين.
العنف الرقمي ضد المرأة: هو العنف المبني على التمييز الجندري وهو مبني على أساس اختلال الاجتماع للأدوار بين الرجل والمرأة، وتدعمه المفاهيم الاجتماعية الأبوية والسلطوية في أي مجتمع، وينعكس في العالم الرقمي وتكون له أبعاد وعواقب في العالم غير الافتراضي.
وسائل التواصل الاجتماعي: عبارة عن مواقع تقدم مجموعة من الخدمات للمستخدمين كالمحادثة الفورية والرسائل الخاصة، والبريد الإلكتروني، والفيديو، والتدوين، ومشاركة ملفات وغيرها من الخدمات، وهي أيضا تمثل حلقات اجتماعية بين الأصدقاء يتبادل من فيها اهتماماتهم المشتركة، وتضم مواضيع خاصة وعامة من كتابات وصور وفيديوهات وتعارف وتتم عبر الإنترنت.
النظريات التي تفسر العنف
تشترك اغلب الأدبيات السوسيولوجية على أن مفاهيم العنف و العنف المبني على النوع الاجتماعي أنها لا تأتي من الطبيعة، بل من الثقافة؛ فالعنف الجسدي المبني على النوع الاجتماعي هو أبسط أشكال العنف المنتشر، من حيث إن الإشكالية في الثقافة التي تسود حول مفهوم الجماعة في مسألة العنف، من حيث أن العنف المُمارس ضد النساء لا يُعرّف عن نفسه كعنف، أي أن ليس هناك شكل من الاعتراف الثقافي بأن ما يُعرّف عالمياً حسب منظمة الصحة العالمية على أنه عنف، لا يُعرّف في المجتمعات المحلية على أنه عنف، بل يأتي تحت مسميات أخرى كــ التأديب مثلاً، ولابد من الإشارة الى أن الانتهاكات التي قد تتعرض لها النساء، لا يتم الحديث عنها بشكل صريح دائماً؛ بسبب طبيعة ثقافة و تقاليد المجتمع، وسيادة مفاهيم العيب والحياء والشرف، حيث أن العديد منهنّ يلتزمن الصمت تجاه من يواجهن بسبب الوصمة الاجتماعية والعادات والتقاليد؛ رغم أن العنف سواء كان رمزياً عن طريق الإيحاءات أو جسدياً أو نفسياً أو لفظياً أو رقمياً الإلكتروني الذي تتعرض له العديد من النساء من خلال الحياة اليومية و الفضاء الرقمي، يؤثر بشكل سلبي على حياتهنّ الاجتماعية اليومية ليصل الى تهديد حياتهن أو مستقبلهن المهني.
* ناشطة اجتماعية
ملاحظة: هذه المقالة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تتبناها كوردستان24 بأي شكل من الأشكال.