هل احتفال ماكرون بالحانوكا اليهودية خرقٌ لمبادئ العلمانية الفرنسية؟

هل احتفال ماكرون بالحانوكا اليهودية خرقٌ لمبادئ العلمانية الفرنسية؟
هل احتفال ماكرون بالحانوكا اليهودية خرقٌ لمبادئ العلمانية الفرنسية؟

اتهم معظم المراقبين للشأن الفرنسي خروج الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" عن أسس السياسة التي طالما نادى بها فيما يخص اتباع تعاليم العلمانية التي تعتبر إحدى أسس السياسة الفرنسية؛ وخاصة فيما يخص المسلمين، لأن إرتداء الحجاب الإسلامي ولبس العباية من قبل المسلمات الفرنسيات في فرنسا يعد مخالفة كبيرة للنظام العلماني في فرنسا.

وينص القانون الذي صدر في التاسع من ديسمبر/ كانون الاول عام 1905م على أن فرنسا جمهورية علمانية تضمن للجميع أن يعتنق الديانة التي يريد ويمارس شعائرها، ولكن في إطار حياته الشخصية. وتوضح النصوص الخاصة بمنصب الرئيس، أنه منتخب وممثل لإدارة الدولة، ويخضع بالتالي لقاعدة الحياد، خصوصا فيما يتعلق بالمسائل الدينية، ويحق له بالتالي حضور قداس البابا في إطار منصبه الرسمي، لأن الأمر يمثل، أيضا، مناسبة سياسية ودبلوماسية، ولكن لا يحق له الاشهار عن انتمائه الديني.

فمن المعروف أن فرنسا، خلافاً للدول الأوروبية الأُخرى، وخصوصاً الدول ذات التراث البروتستانتي، تفصل الدين عن الدولة فصلاً تاماً - مع بعض الاستثناءات الطفيفة كالعطل الرسمية في الأعياد الدينية المسيحية - وتتميز منها كلها بأن دستورها المعمول به (دستور 1958م)، مثله مثل دستور 1946م، ينصّ على أنها جمهورية علمانية. والسبب في هذا الإصرار على مبدأ العلمانية هو موقف الكنيسة الكاثوليكية المعادي للنظام الجمهوري وللديمقراطية على السواء طوال القرن التاسع عشر، واستغلالها الظروف المواتية لتجاوز تعاقدها مع (نابليون بونابارت) في سنة 1801م، والذي اعترف فيه بالكاثوليكية "ديناً لأغلبية الفرنسيين" (وليس ديناً للدولة الفرنسية).

ويشير المعارضون لحضور الرئيس الفرنسي أنها ستكون المرة الأولى التي يحضر فيها رئيس فرنسي في قداس للبابا منذ 43 عاما، عندما حضر الرئيس الأسبق (فاليري جيسكار ديستان) قداس أقامه البابا جون بولس الثاني عام 1980م، ويعتبر الكثير من المراقبين أن التصرف قد لا يخالف نص قانون 1905م، ولكنه لا يحترم روحه، ذلك إن القانون لا يكفل فقط، حرية الاعتقاد للمؤمنين ولغير المؤمنين، ولكنه يفصل، أيضا، بين المنظمات الدينية والدولة المفترض أنها على الحياد، ويرى هؤلاء أن اضطرار قصر الإليزيه لشرح قرار الحضور، يؤكد وجود مشكلة.

أما احتفال الرئيس ماكرون شخصياً في قصر الإليزيه بعيد الأنوار اليهودي" الحانوكا بالعبرية" في مساء الخميس 7/11/2023م ، وسط حشد من الشخصيات اليهودية في فرنسا، وبمباركة كبار الحاخامات اليهود في فرنسا؛ فهذا مما منح الثقة لليهود الفرنسيين على حد تعبير ماكرون؛ لذلك أشعل الرئيس ماكرون بمشاركته هذه موجة من الغضب والفوضى في فرنسا بعد عيد الأنوار اليهودي في قاعة الاستقبال بقصر الإليزيه عندما أُضيئت شمعة "تخليدا لذكرى الإسرائيليين" الذين قُتلوا خلال عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر تشرين الأول الماضي.

جاء ذلك عشية اليوم الوطني للعلمانية الذي تحتفل به فرنسا والذي يعد فجوة كبيرة بين هذه الذكرى السنوية وممارستها على أرض الواقع بحسب معارضين فرنسيين. الخطوة قوبلت بسيل من الانتقادات باعتبار أن الحفل أقيم في قصر الإليزيه، الذي يفترض أن يكون ساكنه أوّل السّاهرين على مبادئ العلمانية القائمة على فصل الدين عن الدولة، والتي تقوم عليها الجمهورية الفرنسية.

فمن خلال مشاركته، مساء الخميس في السابع من ديسمبر/ كانون الاول عام2023م في قاعة الإليزيه، في احتفال بمناسبة بداية عيد الأنوار اليهودي (الحانوكا بالعبرية)، أطلق على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وابلاً من الانتقادات، حيث تم اتهامه بانتهاك العلمانية، وقد جمع هذا الحدث الذي لم تعلنه الرئاسة على الملأ، المؤتمر الأوروبي للحاخامات، الذي منح رئيس الدولة جائزة اللورد الحاخام الاكبر جاكوبوفيتس (1921 – 1999م)، التي منحها له مؤتمر الحاخامات الأوروبيين، وهو منظمة يهودية مهمتها مكافأة التزام فرنسا ضد معاداة السامية والدفاع عن “الحريات الدينية” حسب ما تقول. وبعد حفل توزيع الجوائز، أضاء الحاخام الأكبر لفرنسا (حاييم كورسيا)، الشمعة الأولى من شمعدان الحانوكا على المسرح. بعد ذلك غنّى الجمهور الأغنية العبرية التقليدية "ماعوز تسور"، بينما كان إيمانويل ماكرون يتابع المشهد بصمت، والابتسامة على شفتيه، رفقة زوجته بريجيت ماكرون.

إن إحتفال ماكرون برفقة ممثلي الجالية اليهودية بطقوس عيد “حانوكا”؛ كان استفزازاً للمسلمين، حيث جرت مراسيم الاحتفال في قصر الإيليزيه، وهو ما أثار الفرنسيين خصوصاً أصحاب اليسار لما قام به الرئيس الفرنسي في خطوة اعتبرت استفزازية.

وسرعان ما أثارت الصور، التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، انتقادات في صفوف الطبقة السياسية، لا سيّما في صفوف اليسار، حيث غرّد زعيم اليسار الراديكالي (جان ليك ميلانشون)، على حسابه على موقع إكس: "من القداس (المسيحي) في مرسيليا، إلى حانوكا ( اليهودية) في الإليزيه، ماكرون يظهر أنه لا يفهم" العلمانية"، في إشارة إلى حضور الرئيس القداس الذي احتفل به قداسة بابا الفاتيكان فرنسيس في ملعب "فيلودروم" في مدينة مرسيليا – جنوب فرنسا في 23 أيلول/ سبتمبرعام 2018م، مع أكثر من 60 ألف مصلٍ.

من جانبه كتب النائب البرلماني (فرانسوا روفين)، المنتمي إلى عائلة ميلانشون السياسية: "حانوكا في الإليزيه! قريباً عيد الفصح، العيد؟ وسنطلب من المعلمين أن يشرحوا العلمانية لأطفالنا". في حين تساءل عمدة مدينة كان، (ديفيد ليسنار)، المنتمي لحزب "الجمهوريون" اليميني المحافظ: "كيف يمكننا أن نرفض المشاركة في مسيرة مدنية ضد معاداة السامية على أسس متناقضة ومضللة لحماية الوحدة الوطنية، والاحتفال بمهرجان ديني داخل القصر الرئاسي؟".

من جهة أخرى قال (إريك زمور)، زعيم حزب"الاسترداد" اليميني المتطرف: "بعد أن شبّه المسيرة ضد معاداة السامية بأنها عملٌ معادٍ للإسلام، يريد إيمانويل ماكرون التعويض عنها من خلال تنظيم احتفال ديني يهودي في الإليزيه". وقال الكاتب والمحلل السياسي الفرنسي (جان بيير بيران)، أن الوقت لم يكن مناسبا للقيام باحتفال كهذا، علما أن "مبدأ الفصل بين الدين والسياسة في فرنسا أمر مقدس للغاية ولا يجب المساس به ولا يقبل الاستثناءات مهما كانت الظروف"، على حد تعبيره.

وقال النائب الفرنسي ومنسق حزب فرنسا الأبية (مانويل بومبارد): "ماكرون داس هذا المساء قانون الفصل بين الكنيسة والدولة بتنظيم احتفال ديني في الإيليزيه وهو خطأ سياسي لا يغتفر". واستشهد زميله ماتياس تافيل بمادة للقانون تقول: "الجمهورية لا تعترف بأي دين أو تستخدمه أو تدعمه".

فيما تساءل الناشط المعارض (ألكسيس كوربيير): "هل سيفعل ماكرون الشيء نفسه بالنسبة لجميع الديانات الأخرى؟"، وأردف: "البعض نعم، والبعض الآخر لا"، في إشارة الى الإسلام.

بدورها قالت رئيسة إقليم أوكسيتاني الفرنسي (كارول ديلغا): "الإيليزيه ليس مكانا للعبادة وهي إشارة سيئة ترسلها الدولة إلى الجمهورية الفرنسية قبل يومين من ذكرى قانون 1905م الذي فصل بين الدولة والكنيسة ونحن لا نتنازل عن العلمانية".

وعلى أية حال فقد وصلت الانتقادات حتى الى المنظمات اليهودية الفرنسية، فقد انتقد "يوناثان أرفي" رئيس مجلس المنظمات اليهودية في فرنسا خطوة ماكرون الذي رأى أنه كان من الخطأ إن تُعطى إشارة الانطلاق بالاحتفال بعيد حانوكا من قصر االإليزيه وبحضور الرئيس.

وقال أرفي لإحدى القنوات الإذاعية: " بالفعل قصر الإليزيه ليس المكان الذي يتم فيه إشعال شمعة حانوكا" لأن ماهية الجمهورية تكمن في النأي عن كل ما هو ديني". وتابع بالقول " لقد تفاجأت لأنه جرى العرف أن السلطات العمومية ليس لها أن تقبل بتنظيم حفل ديني وآمل ألا يتكرر هذا". وأضاف رئيس مجلس المنظمات اليهودية في فرنسا: "لطالما اعتبر اليهود الفرنسيون العلمانية بمثابة قانون حماية وقانون حرية، لذا فإن كل ما يضعف العلمانية هو يضعف يهود فرنسا"حسب تعبيره.

وحاول وزير الداخلية "جيرالد دارمانان " تبرير ما جرى عن تنظيم حفل حانوكا معتبرا أن الخطة لا تنتهك إطلاقا مبدأ العلمانية. وقال الوزير "إن رئيس الجمهورية هو مدافع عن الأديان ويحترمها كلها وبصفته رئيسا للدولة فليس هناك أي انتهاك للعلمانية".

وأضاف دارمانان: أثناء هذا العيد اليهودي الهام وفي وقت يعاني فيه مواطنونا اليهود من أعمال معادية للسامية ويتعرض فيه الحاخامات ودور العبادة اليهودية للاعتداء، أرى أنه من الطبيعي أن يصطف رئيس الجمهورية إلى جانب مواطنيه التابعين لهذه الديانة.

وبررت أيضا رئيسة الوزراء " إليزابيث بورن" التي اعتبرت أن حفل حانوكا في الإليزيه هو إشارة تعكس الدعم الرسمي لليهود في مواجهة تصاعد الأعمال المعادية للسامية في فرنسا.

أما الرئيس الفرنسي فإن كثرة الانتقادات التي وجهت إليه، دعته إلى الرد على هذا الجدل الدائر حول العلمانية من كاتدرائية نوتردام دو باريس، التي زار موقع إعادة إعمارها يوم الجمعة 8/11/2023م، أي في اليوم التالي لاحتفاله بعيد حانوكا اليهودي، وقال إنه " ليس نادماً على الإطلاق"على هذه الحادثة، ولن يستسلم للفتنة الدينية […] معتبراً أنه في هذه اللحظة من الضروري منح الثقة لليهود الفرنسيين[...] مع الأخذ في نظر الاعتبار سياق الحرب بين إسرائيل وحماس".

ويبدو أن الرئيس الفرنسي يكون عقب احتفاله مع اليهود، قد اختلطت عليه الأمور ما بين معارضة السياسة الصهيونية في تدمير غزة وتهجير أهلها، وما بين الإصطفاف إلى جانب الطائفة اليهودية في فرنسا، واعتبر المتتبعون أن ماكرون ارتكب خطأ جسيما، خصوصا وأنه بات يكيل بمكيالين، بالنظر إلى حزمة الممنوعات التي أضحت تمس الجالية الإسلامية في بلد الحريات على حسب زعم السياسة الماكرونية.

وربط ناشطون بين هذا التصرف وبين دعم ماكرون لإسرائيل مع تواصل العدوان الوحشي على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر الماضي.

ومن جانب آخر فقد احتفل كل من المستشار الألماني "أولاف شولتس"، والرئيس الأوكراني "فلاديمير زيلينسكي" بعيد الأنوار اليهودي. وخلال إضاءته أول شمعة في عيد الأنوار "الحانوكا" على شمعدان عملاق أمام بوابة براندنبورغ الشهيرة في برلين، قال (شولتس) الذي كان يرتدي قلنسوة مخملية سوداء، للعديد من الزوار في وسط العاصمة الألمانية: "أتمنى أن تشرق شمعة حانوكا أبعد من هذه الساحة ولمدة أطول بكثير من مجرد أيام حانوكا الثمانية".

وأضاف: "حانوكا يرمز إلى الأمل والثقة.. هناك حاجة إلى كليهما بشكل خاص هذه الأيام. لقد هزنا الهجوم الإرهابي الذي شنته حماس على إسرائيل بشدة. يجب على كل واحد منا أن يعارض هذا الإرهاب بوضوح".

وقد قام الرئيس الأوكراني أيضاً بإضاءة شمعة عيد "حانوكا" في مكتبه، برفقة مبعوثي "حاباد" (أكبر منظمة يهودية في العالم) الذين يعملون أيضا كحاخامات مدينة في أوكرانيا، وقال إن: "النور سوف يسود في أوكرانيا وإسرائيل".

أما في الولايات المتحدة الامريكية فقد أدى قرار مهرجان فني بإلغاء إضاءة شمعدان عيد "الحانوكا" اليهودي في ولاية فرجينيا الأمريكية إلى ردود فعل منددة من قبل الجالية اليهودية، التي اعتبرت أن إضاءته لا علاقة لها بالحرب الدائرة.

وقرّر المهرجان الفني الذي يقام جنوب غرب ولاية فرجينيا إلغاء إضاءة الشمعدان في مدينة (ويليامزبرغ) بسبب الحرب، فأصدر المجتمع اليهودي المتحد من فيرجينيا بيانا قال فيه إن الجالية اليهودية هناك تشعر بالصدمة والانزعاج من قرار إلغاء الإضاءة المقرر في مهرجان الفن والموسيقى الأحد 10 ديسمبر في ويليامزبرغ، بدعوى عدم دعم المهرجان لأحد الجانبين في الصراع بين إسرائيل وحماس. وأضاف البيان: "لكي نكون واضحين، فإن إضاءة الشمعدان، التي كان من المقرر أن يقودها حاخام من المجتمع المحلي، لم يكن لها أي علاقة بإسرائيل أو الصراع".

وتابع البيان "مع ذلك، ادّعى منظم الحدث، بشكل مروع، أن احتفال عيد "الحانوكا" من شأنه أن يبعث برسالة مفادها أن المهرجان يدعم قتل وقصف الآلاف من الرجال والنساء والأطفال".

وأردف البيان: "يجب أن نكون واضحين للغاية: من معاداة السامية تحميل اليهود مسؤولية جماعية عن سياسات إسرائيل وأفعالها، والمطالبة بإجراء اختبار سياسي لمشاركة اليهود في الأحداث المجتمعية التي لا علاقة لها بإسرائيل. ولن يتم تطبيق هذه المعايير أبدا على مجتمع آخر". ولفت البيان إلى أنه "في وقت تتزايد فيه معاداة السامية بشكل موثق، فإن استهداف اليهود أمر خطير وضار، مما يؤدي إلى مزيد من الاستبعاد والتنفير لمجتمعنا".

أما الجنود الاسرائيليون فكان احتفالهم بعيد الحانوكا مختلفاً عن الآخرين فقد أقاموا شمعدان عيد الحانوكا على أحد أسطح مباني غزة المدمرة.

ومن جهة أخرى ففي 13 ديسمبر/ كانون الاول 2023م أطفأ النائب عن الحزب الكونفدرالي اليميني في بولندا (غزغوز براون) شموع عيد الأنوار اليهودي (الحانوكا) في مجلس النواب البولندي باستخدام مطفأة حريق، وظهر براون في مقطع فيديو على منصات التواصل الاجتماعي وهو يحمل مطفأة حريق ويسير نحو شمعدان حانوكا (شمعدان يبقى مضاء خلال عيد حانوكا اليهودي الذي يستمر 8 أيام)، ثم يرش الرغوة على الشموع وفي كافة أنحاء مقر مجلس النواب، وأظهر الفيديو اعتراض أحد الموجودين في البرلمان على تصرف النائب، وأخذ يصرخ "ماذا تفعل يا سيادة النائب؟" وكررها مرارا، وهو ما لم يلق استجابة من براون الذي استمر في القيام بمهمته حتى النهاية.

بعدها دخل براون إلى قاعة البرلمان للمشاركة في الجلسة لكن رئيس مجلس النواب (سيمون هولوفنيا) طلب منه الخروج من القاعة، لكن قبل أن يخرج براون وقف قائلا: "لا يمكن أن يكون هناك مكان لأعمال العبادة التلمودية العنصرية والقبلية والمتوحشة في برلمان جمهورية بولندا". بعدها قال رئيس المجلس إنه "سيتم إرسال مقترح إلى مكتب المدعي العام ضد سلوك براون، وسيتم الإبلاغ عن عرقلته احتفالا دينيا". وعاقب ديوان رئاسة مجلس النواب براون بقطع نصف راتبه لمدة 3 أشهر، وقطع بدل التنقلات لمدة 6 أشهر.

و"الحانوكاه" كلمة عبرية تعني التدشين، أي بناء الهيكل اليهودي الثاني، الذي بناه (يهودا المكابي) سنة 160ق.م، وكان الهيكل الأول الذي بناه وفق معتقدهم نبي الله سليمان (عليه السلام) قد دمره الملك الكلداني البابلي (نبوخذ نصر) عام 586 أو 587ق.م. فهو عيد يهودي يستمر ثمانية أيام من الخامس والعشرين من "كسلو" الذي يقابل شهر كانون الأول/ ديسمبر، والعيد بحكم توقيته يمكن اليهود وبالذات الأطفال من الاحتفال بعيد يهودي في نفس الفترة التي يحتفل فيها المسيحيون بعيد الميلاد، والمناسبة التاريخية لهذا العيد هي دخول (يهودا المكابي167-160ق.م) بن ماتيوس الحشموني مدينة أورشليم وإعادته للشعائر اليهودية في الهيكل، ويقال إن يهودا المكابي حينما دخل الهيكل وجد أن الزيت الطاهر (أي الذي يحمل ختم كبير الكهنة) لا يكفي إلا ليوم واحد، وكان من الضروري أن تمر ثمانية أيام قبل إعداد زيت جديد كما ينص التوراة، فحدثت المعجزة واستمر الزيت في الاحتراق لمدة ثمانية أيام بدلاً من يوم واحد، ولذلك صمم لهذا اليوم شمعدان خاص من تسعة فروع، ولأن هذه المناسبة تؤكد انفصال اليهود ورفضهم للاندماج والتفاعل مع الحضارات الأخرى، فإننا نجد أن الصهيونية تبالغ في الاحتفال به.

ويحتفل بالعيد في إسرائيل على أنه عيد ديني، قومي (عيد الأنوار)، فتوقد الشموع في الميادين العامة وتنظم مواكب من حملة المشاعل، وأثناء الاحتفال يصعد آلاف الشبان إلى قلعة "ماساداه"، وهو مقطع صخري مرتفع يقع في صحراء القدس بالقرب من الشاطئ الغربي للبحر الميت، ويمثل هذا المقطع الصخري بقايا مدينة حصينة يهودية يعود تاريخها إلى الهيكل الثاني، وهو يعتبر رمزاً للصمود البطولي وحب الحرية لمحاربي يهودا، وتبلغ مساحة قمة الجبل التي توجد فيها القلعة حوالي 80 دونماً وطولها حوالي 600 متر وعرضها يتراوح بين 130/240م. وترتفع عن سطح البحر 462 متراً، وتفصل بين هذه القمة ومجموعة الجبال المحيطة بها أودية عميقة، وكان يوناتان الحشموني قد بنى عليها حصناً عام 42 ق.م وزاد هيرورودوتس من تحصينها وأقام لنفسه هناك قصراً فاخراً، وقد تمركز في قلعة مسادة آخر المحاربين الذين ثاروا على الرومانيين، وقد حاصر الرومان القلعة مدة 3 سنوات، وعندما فقدوا الأمل انتحر المحاصرون وعددهم 960 شخصاً كان يقودهم (أليعيزر بن بائير) وذلك يوم 15 نيسان من عام73م، وقد قصت النسوة والأولاد الذين اختبأوا بقناة مياه ونجوا من الموت في عملية الانتحار الجريئة، وفي العهد الروماني البيزنطي(70-635م) سكن هذا الجبل رهبان، حيث أقاموا عليه كنيسة صغيرة.

وفي عام 1954م أقيم من جديد (طريق الأفعى) إلى الجبل، وفي عام 1955م قام سلاح الهندسة الإسرائيلي بإعادة ترميم القلعة، وجرت في المكان حفريات أثرية واسعة اكتشفت فيه خزانات مياه وأرزاق ومقر هيرودوتس وكُنَيس وقصاصات من كتاب التوراة وعملات وغير ذلك، وفي عام 1970م تم شق طريق إلى الموقع الأثري يبدأ من عراد وحتى الجانب الغربي من قمة الجبل، وفي عام 1970م تم تشغيل قطار هوائي من الجانب الشرقي للجبل.