د. سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ- ألمانیا
أهمیة ترسيخ مفاهيم الهوية الكوردستانية
ما یميّز الكورد منذ القدم عن الشعوب الاخری في المنطقة هو بقاءه في أرضه منذ آلاف السنين و التي تعرف بكوردستان.
فالهوية الكوردستانیة هي الشعور بالالتزام بكوردستان أو أمة كوردستان أو مجتمع سياسي كوردستاني، والهوية الكوردستانية تعني حب كوردستان، بينما القومية هي الولاء لأمة واحدة، وغالباً ما يتم استخدام القومية كمرادف للوطنية، ولكن الوطنية ظهرت قبل القومية التي ظهرت في القرن التاسع عشر بألفين سنة تقريباً، كما أنّ الهوية الكوردستانية هي حب أرض كوردستان والاستعداد للتضحية من أجل حمايةحدودها و سیادتها.
في أقلیم كوردستان هناك مدرسة نضالية مؤثرة في صميم الشعب الكوردستاني، تعرف بالمدرسة البارزانية، التي أسسها القائد الخالد والأب الروحي مصطفى بارزاني، قوامها الأخلاق النبیلة للكوردايتي في عموم كوردستان، حتى أضحت هذه المدرسة الإرث القومي السديد الناجع في عموم كوردستان، لها مبادئ وقيم.
أما الحركة التحررية الوطنية الكوردستانية فهي جزءٌ أساسيٌّ من هذه المبادئ والقيم القومية التي تسعی الی الوصول للحقوق القومية المشروعة للشعب الكوردستاني أینما وجد. لقد قاد بارزاني الخالد هذه الحركة التحررية لعقود من الزمن و هو القائل، "إن الثورة والحرب ضد الحكومات لا يعني الحرب ضد شعوبها لأن الحكومات تذهب لکن الشعوب باقية."
ففي عالم سمته السيولة والتسارع، باتت الأزمات تحصل علی إيقاع سريع وعلی غير صعيد، كما تشهد الحروب في الشرق الأوسط والفضائع الإرهابية في غير مكان، نری من الأهمیة بمکان أن تسعی الجهات المعنية بترسیخ المفاهیم الكوردستانية في عقول و قلوب مواطني إقلیم كوردستان، لکي يستطيعو أن یبنوا إدارة فعؔالة تدير مجتمعاً ، يتصرف فيه أفراده ومجموعاته، کفاعلين ومسٶولين بقدر ماهم مختصون ومنتجون للثروة أو المعلومة أوالخدمة أو السلطة، بحيث تكون القرارات حصيلة التداولات والتأثيرات المتبادلة. فالسلطة السياسية لوحدها لاتصنع المواطنين ، بل المجتمع هو الذي يصنع سلطته ، سواء أكانت هذه السلطة تعمل بثوابت متحجرة و معيقة ملئها الإستبداد أم بعقلانية راشدة متوازنة وتقنیات فائقة تزرع ثقافات ديمقراطية خلؔاقة.
نحن نعلم بأن إقليم كوردستان الآمن والمستقر محاط بمناطق ساخنة أو بعواصف بركانية، لكن هذا لا يمنعنا بأن نٶمن بالنظرية القائلة “أن المجتمعات تبنی قطعة قطعة ، في كل قطاع أو حقل بحيث ينخرط جميع الفاعلين في أعمال التنمية والبناء”.
هناك وللأسف تیارات وجهات تريد تشويه مسار العمل السياسي والحكومي في الإقليم وتركز كل جهودها كمعارضة حزبية أو مستقلة أو ثقافية علی مهمة وحيدة وهي خلق الأزمات والنيل من الوحدة الوطنية أو التقدم المزدهر الذي يشهده الإقليم في الكثير من المجالات.
إن العمل علی تحقيق المشاركة السياسية و تفعيلها في إقليم كوردستان هو شرط تحقيقها للتنمية الشاملة وأن النقد البنؔاء من قبل الجهات الغير مشاركة في السلطة هو المنهچ الفعؔال. وأن بناء الثقة وتحويل الاستشارات المسهبة الی طاولات الحوار وملتقيات النقاش ومنتديات المكاشفة أمر ضروري لإظهار المشكلات المزمنة في الملفات الأساسية و مكامن الحلول العملية لها وإيجاد القواسم الجامعة بين القوی السياسية والحزبية.
ومن یعمل علی ترسیخ مفاهيم الهوية الكوردستانية یعلم بأن المتغيرات هي فرصة لا كارثة والجديد هو غنی لا فزاعة والشباب طاقة لا عبء. ومن لايتقدم يتراجع لامحالة و من لا يحسن أن يتغير يهمشه المتغيرات أو تنتقم منه الوقائع.
الوحدة الكوردستانية والوفاق الكوردستاني لا تأتي من العدم، بل هي نتاج موضوعي وضروري لتكامل الشعب والدولة والمؤسسات الحقوقية والشرعية الهادفة الی بناء الهوية الكوردستانية، التي لا ربط لها بلعبة الوفاق السياسي أو المساومة السياسية.
ومن أجل تحقيق الهوية الوطنية الكوردستانية، لابد من العمل علی مشروع وطني للوحدة والاتفاق على عقد اجتماعي يتجاوز ويذلل ذهنية التجزئة ونفسية الغنيمة السائدة عند بعض القوى السياسية ولابد من تطوير البعد الثقافي لهذه الهوية في مجال الوطنية والقومية والدين والاجتماع.
في الماضي كانت الأنظمة الإقليمية في المنطقة تؤثر بشكل سلبي على مصير و مستقبل شعب كوردستان، الذي واجه أقسی أنواع حملات الإبادة الجماعية و الممارسات العنصرية والاستراتيجيات السلطوية الاستبدادية، هذا الشعب الأبي واجه تحديات جسيمة و لم يكن أمامه خيار آخر سوی الكفاح المسلح لتحقيق مطامحه القومية و الإنسانية المشروعة.
أما اليوم فيقوم هذا الشعب بتظهير صورة جديدة للهوية، معنی و معاشاﹰ، نظريةﹰ وممارسةﹰ، يسهم في إخراجها مخرجين مٶمنين بالوحدة الكوردستانية والعيش المشترك و السلم الدائم، يملكون قوة و فاعلية غنية، يكرسونها في سبيل الإنبناء والتكوين والتنمية والتواصل، بعيداً عن علاقات مبنية علی النفي والإستبعاد والإزدراء أو مطلقات يقينية أو كليات مجردة و مليئة بمبادیء المفارقة والأقانيم المقدسة.
الشعب الكوردستاني وتحت ظل قیادته الحکیمة بدأ بعد جمعه التجارب في الدفاع والسياسة يستوعب المعادلات الإقليمية و الدولية ليرسم خططه التكتیكیة والإستراتيجية بوعي وإدراك، علی ضوء تلك النتائج التي يتوصل اليها بعد تقييم واقعه و ظروفه الذاتية والموضوعية ليضمن الحفاظ على منجزاته و مسيرته.
وختاما نقول: أن ترسيخ مفهوم الهوية الكوردستانیة والموقف الواحد ورص الصفوف والالتزام بالوحدة الكوردستانية ضرورة إیجابية يجب التمسك بها في حفظ الأمن و مواجهة التحديات المستقبلية.