عبدالحميد زيباري
كاتب وصحفي
شتان بین الثرى والثريا... نظرة سريعة على الحملة الانتخابية لبرلمان كردستان العراق
منذ اكثر من اسبوعين، بدأت الحملة الانتخابية للدورة السادسة لانتخاب اعضاء جدد لبرلمان كردستان العراق المزمع اجراؤها في 20 من أكتوبر الجاري، الذي يعد برلمانا محليا ضمن العراق الاتحادي وفقا لدستور البلاد لعام 2005. العراقيون صوتوا على هذا الدستور على أمل ان يتحول العراق الى دولة أتحادية، الا ان هذا النظام لم يترسخ الا في اقليم كردستان، بينما سعت الحكومة الاتحادية ولاتزال الى ان تكون حكومة مركزية تسيطر على كافة الامور, فالطرف الشيعي المسيطر على البرلمان الاتحادي يقاوم اي فكرة لتشكيل اقاليم اخرى في العراق سواء كانت سنية او شيعية، خشية ان يضعف ذلك من نفوذه بصفته الاغلبية، مما جعله متمسكا بفكرة الدولة المركزية.
تزايدت هذه الدعوات للعودة الى المركزية في العراق، بعد أن اصبحت الجماعات المسلحة في العراق قوة مؤثرة في البرلمان والحكومة مع أنسحاب التيار الصدري الشيعي من العملية السياسية، هذه الجماعات، المدعومة بشكل كبير من ايران، تظهر نفوذا يعادل او يفوق نفوذ أكبر الكتل البرلمانية الاخرى، رغم قلة عدد مقاعدها.
داخل اقليم كردستان العراق، يعزز الاتحاد الوطني الكردستاني، الحليف الرئيسي لايران بين الاحزاب الكردية، هذه الدعوات المركزية، في فترات سابقة، طالبت قياداته بان تدفع المستحقات المالية ورواتب موظفي المؤسسات الحكومة في الاقليم مباشرة من بغداد، بعد الازمة المالية التي يعانيها الاقليم نتيجة توقف تصدير نفطه عبر انبوب جيهان التركي في 2023، ورغم محاولات حكومة الاقليم معالجة هذا الوضع، لاتزال بغداد تتماطل في تأخير دفع المستحقات بحجة وجود مشاكل تقنية.
في هذا السياق، جاء شعار بافل طالباني رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني وهو نجل الرئيس الراحل جلال الطالباني، في حملته الانتخابية بان (يهدم) النظام القائم، وأكد هذه الفكرة في تجمع انتخابي أمس ووعد مناصريه بأنه سيعلن عن هذا خلال تجمع اخر سيقيمه في الايام القادمة بمدينة اربيل كبرى مدن الاقليم، وأختتم خطابه برمي مكبرة الصوت، معلنا عزمه على هدم ما بني خلال السنوات الماضية من قبل حكومة اقليم كردستان والاطراف السياسية الكردية وابرزها الحزب الديمقراطي الكردستاني.
من يتابع الحملة الانتخابية للاتحاد الوطني الكردستاني، سيلاحظ تحولا واضحا نحو انهاء الوضع الحالي في الاقليم، رغم ان الحزب كان جزء حيويا في حكومة الاقليم التي تأسست قبل اكثر من 32عاما، يبدو ان طالباني يسعى الى ترتيب الاوراق، ملمحا الى قطيعة مع الماضي، لكن قطيعة قد يدفع ضريبتها الشعب الكردي باكمله. كون الطالباني الابن سيطر على مفاصل الحزب الذي ورثه من والده وأقال جميع الاصوات التي تعارض توجهاته.
في المقابل مازال الخطاب الاعلامي للطرف المقابل وهو الحزب الديمقراطي الكردستاني، يحافظ على هدوئه ويطرح رؤاه وطموحاته المستقبلية في تخطي المصاعب وايصال الاقليم الى بر الامان والحفاظ على المكاسب التي تحققت خلال كل هذه السنوات ومحاولة تطويرها ليكون نموذجا من التطور والاعمار في جميع المجالات على مستوى العراق والمنطقة.
فالمتتبع للوضع في أقليم كردستان العراق، يلاحظ الفارق الكبير بين مدن الاقليم وبقية مناطق العراق، سواء من حيث الاعمار، الخدمات، او حتى الامن والاستقرار، وقد أصبح الاقليم وجهة للعراقيين سواء للاقامة او للتمتع بالراحة والاستجمام في مدنه المتطورة ومنتجعاته السياحية.
شتان بين من يدعو إلى الهدم ومن يطمح إلى التطور، وتبقى الكلمة الأخيرة لصناديق الاقتراع. إلا أن هناك مخاوف جدية من أن يتغير وضع الإقليم، إذا استمر الطرف الذي يدعو للعودة إلى مركزية الحكم في بغداد أقوى من الأطراف الأخرى التي تطالب بتحويل العراق إلى دولة اتحادية يتمتع فيها الجميع بحقوقهم بشكل متساوٍ.
فيما يبدو هذه المرة، خلال الحملة الانتخابية الحالية، أن صوت القوى المعارضة للحكومة وسياسات الحزبين الرئيسيين في الإقليم، الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، باهت ولا يُسمع. وبحسب جميع التوقعات، قد لا تُحدث هذه المعارضة أي تغيير يُذكر على الخارطة السياسية للبرلمان القادم في كردستان، وستظل في خانة المعارضة التي تُحدث ضجيجاً لا يتجاوز تأثيره خارج مبنى البرلمان.