الأزمة السورية تدخل في مرحلة مفصلية مع استمرار تركيا في تقليم النفوذ الأمريكي في البلاد

الأزمة السورية تدخل في مرحلة مفصلية مع استمرار تركيا في تقليم النفوذ الأمريكي في البلاد
الأزمة السورية تدخل في مرحلة مفصلية مع استمرار تركيا في تقليم النفوذ الأمريكي في البلاد

تمرّ سوريا بمرحلة مفصلية بعد سقوط نظام الأسد وانتصار الثورة في 8 من ديسمبر الحالي، برزت خلالها تحديات ضخمة أمام الإدارة الجديدة والتي تعتبر وفق علم السياسة بإدارة الأمر الواقع وأهم هذه التحديات حفظ أمن البلاد وضمان عدم الإنزلاق نحو الفوضى الداخلية من جهة وتأمين البلاد من خطر الإرهاب من جهة أخرى، إضافة إلى تحدي بناء الدولة بكافة أركانها، في ظل خطر متصاعد من النفوذ الدولي المتشابك في سوريا، الذي يهدد بتقسيم البلاد وإدخالها في دوامة صراع مسلح جديد.

في الأثناء، تسعى تركيا إلى إعادة صياغة رؤيتها تجاه سوريا بعد أن أعلن مسؤولون أمريكيون علنًا انتصارها الاستراتيجي في سوريا مع سقوط النظام، وسط تحديات تتعلق بمخاوف من ردود فعل أمريكية رادعة لها في المنطقة ورغبة إسرائيلية في قضم أجزاء من الجنوب السوري، خصوصًا أن أنقرة تسعى في المقام الأول إلى القضاء على ما تسميه بالتهديد الكردي وإفشال المشروع الكردي الانفصالي في الشمال والشمال الشرقي لسوريا، بما يحفظ مصالحها الأمنية والاقتصادية على حساب المصلحة السورية من جهة باعتبار أن الأكراد إحدى مكونات المجتمع السوري خاصة وأن معظم التصريحات الصادرة عن مسؤولي ما يسمى بالإدراة الذاتية لم يصدر عنهم حتى اللحظة أي تصريح يوحي بأنهم يريدون الانفصال الفعلي عن الدولة السورية، ومن جهة ثانية فإن المساعي التركية تهدد المصالح الأمريكية في الشمال والشمال الشرقي لسوريا باعتبارها الداعم الأكبر للإدارة الذاتية والقضية الكردية وحقوق المكون الكردي في المجتمع السوري.

وبالنظر إلى الخريطة السياسية لسوريا الآن يمكن إدراك خطورة الموقف وتقييم مدى أهمية النفوذ الخارجي في حسم مصير سوريا، حيث بات سوريا اليوم محور الصراع الجيوبولتيكي في المنطقة مع التمدد الإسرائيلي من جهة والتركي من جهة أخرى فباتت الحدود المرسومة على هذه الخريطة الآن ليست للحدود الإدارية للمحافظات أو المدن، بل لمناطق النفوذ المقسمة بين مجموعات محلية ترعاها أطراف خارجية، على رأسها تركيا وأمريكا من جهة وحدود تظهر مدى التوغل الإسرائيلي في عمق الأراضي السورية.

وبهذا الصدد أشارت عدة مقالات تحليلية إلى أن تركيا تستغل فترة "البطة العرجاء" التي تمر بها الولايات المتحدة الأمريكية قبيل تسلم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صلاحياته كمدير للبيت الأبيض وبالتالي شرعت تركيا بفرض أجنداتها لضمان مصالحها بأسرع ما يمكن قبل أن تبدأ أمريكا برسم خطط الردع، على اعتبار أن واشنطن لن تسمح لأنقرة بالانفراد في هيمنتها على سوريا.

أضف إلى ذلك التحولات الإقليمية بما في ذلك تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، والتي مثّلت فرصة إستراتيجية لتركيا لتعزيز دورها وتمهّد الطريق لتنصيب نظام جديد في سوريا، يمكن أن يتسع فيه نفوذ أنقرة بشكل غير مسبوق يمكنها من تحقيق طموحاتها العثمانية التوسعية وفرض الوصاية "المقنعة" على سورية لتكون تركيا لاعبًا رئيسيا في المرحلة المقبلة، حيث ستعمل على حماية مكتسباتها التي تحققت عبر السنوات الماضية في ظل التغيرات الجيوسياسية المتسارعة.

وهذا ما يجعل سورية أمام تناحر مشروعين في المنطقة الأول يتمثل بالمشروع العثماني والثاني الإسرائيلي المسمى بالشرق الأوسط الجديد على حساب وحدة وسلامة الأراضي السورية وأبرز مثال على تنافس المشروعين مساعي إسرائيل وتركيا لوضع اليد على منابع المياه والغاز في سورية والذي ظهر في تصريحات تركيا برغبتها ترسيم الحدود البحرية مع سورية ونعلم بوجود الكثير من الثروة الغازية في المياه السورية واحتلال إسرائيل لقمة جبل الشيخ وقمة القلمون ونهر اليرموك وسد الوحدة، ناهيك عن الصراع حول طرق إمداد الطاقة وإيصالها نحو أوروبا ضمن تضارب وتصارع المصلحة التركية والإسرائيلية على الأرض السورية.

بالتالي فإن هذه المرحلة الجديدة قد تفتح المجال أمام ظهور تهديدات خطيرة على سوريا نفسها، مع مواكبة أطراف متعددة للوضع الراهن، حيث تسارع الولايات المتحدة الامريكية لحماية نفوذها في سوريا ودعم الفصائل الكردية، الذين يتلقون خسائر فادحة من تمدد القوات الموالية لأنقرة في الشمال، وعزم الإدارة التركية على إنهاء المشروع الكردي الانفصالي في سوريا.

وتنبع أهمية الشمال السوري بالنسبة لتركيا من مسألة مكافحة الإرهاب إلى ضمان أمن حدودها الممتدة لنحو 900 كيلومتر، إذ إن تركيا من خلال وجودها العسكري ودعمها للجيش الوطني السوري استطاعت تأمين الضفة الغربية لنهر الفرات، بينما تبقى التهديدات قائمة شرقي النهر.

وتقييم تركيا لوجودها العسكري في سوريا سيعتمد على تطورات الوضع الميداني ووضوح الصورة النهائية للواقع السوري، لأن أنقرة عازمة على تعزيز دورها في صياغة النظام السوري الجديد، من خلال استثمار مكتسباتها الإستراتيجية وضمان استقرار طويل الأمد، مع مراعاة المتغيرات الإقليمية والدولية ورفض النفوذ الأمريكي والإسرائيلي في سوريا.

ووفقًا لما سبق، حذر مراقبون من خطورة تطورات الوضع في سوريا، التي قد تعيد البلاد إلى نقطة الصفر، وتهدد حالة الأمن والاستقرار الهشة بعد سقوط نظام الأسد، فواشنطن لن تقف مكتوفة الأيدي بينما تسحب أنقرة البساط من أسفلها في سوريا، وتركيا بدورها عازمة على تحقيق أجنداتها، والاستمرار في نشوة النصر الاستراتيجي الذي حققته.