مصطفى عبد الوهاب العيسى
كاتب وباحث
من لوزان إلى أوجلان
لا يمكن أبداً وصف المعاناة التي تعرض لها الكورد ، وخلال العقود الأولى التي تلت سايكس بيكو ولوزان بشكل خاص، وتعرضوا فيها لأبشع أنواع الاضطهاد الذي لحقهم في جميع المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.
رغم قمع ثورة الشيخ سعيد بيران، إلا أن الاحتجاجات والمطالبات بالحقوق المشروعة لم تتوقف يوماً، ومع نهاية الحرب العالمية الثانية زادت وتيرة وحدَّة هذه الاحتجاجات تدريجياً، وعاماً بعد عام حتى وصلت إلى حمل السلاح الذي نتج عنه انقسام في الآراء بين من فضل استمرار النضال السلمي، وبين من رأى ضرورة الكفاح المسلح، وهكذا تشكل لاحقاً حزب العمال الكوردستاني .
من المعروف بأن العنف لايولد إلا العنف، وهو ما يفسر استمرار النزاع بين الدولة التركية وحزب العمال طيلة هذه الفترة، ومع الأسف لم تنجح جميع المبادرات والوساطات في العقود الأخيرة من تحقيق السلام، وباءت بالفشل الهدنة تلو الأخرى خلال السنوات الماضية.
ضجت وسائل الإعلام قبل مدة برسالة زعيم حزب العمال الكوردستاني عبد الله أوجلان، وحصلت - خلال الفترة التي كان يترقب فيها المشهد السياسي ظهور أوجلان في بث مباشر أو رسالة مصورة - زيارات واجتماعات كثيرة تخللتها تصريحات مقتضبة لعدد كبير من الفاعلين بنجاح عملية السلام المنشودة كأحزاب تركية وكوردية، وبالإضافة إلى بيانات داعمة من الحزبين الرئيسيين في إقليم كوردستان .
قبل أيام ظهرت رسالة أوجلان الخطية بدلاً عنه - لأسباب نص عليها الدستور تحول دون ظهوره كما بين وزير العدل التركي - والتي أعلن عنها حزب المساواة وديمقراطية الشعوب في مؤتمر صحفي، وبين فحواها للجمهور، والتي تتلخص برغبة أوجلان التي تدعو إلى نبذ العنف وإلقاء السلاح، والبدء بمرحلة جديدة من حل للقضايا العالقة وبناء العلاقات الأخوية القائمة على المحبة والسلام.
رسالة أوجلان لا تتعارض مع شخصيته التي تظهر في الكتب التي حملت اسمه كمؤلف لها، وأعني الشخصية التي أرى بأنها بعيدة عن الشخصيات العسكرية أو السياسية، وأقرب إلى شخصية الفيلسوف أو الباحث لزمن طويل في علم النفس وعلم الاجتماع، ويستحيل أن يستغرب من قرأ كتبه من هذه النزعة المثالية للسلام إن صح التعبير، بل إننا نستغرب من تأخر هذه الدعوة فقط.
لاقت دعوة أوجلان تفاعلاً إيجابياً من شخصيات رفيعة المستوى أوروبياً وعالمياً، وكذلك تبشيراً بنجاحها في معظم الأوساط السياسية التركية، والأهم من وجهة نظري ترحيباً حاراً في الشارع الكوردي سياسياً وشعبياً، وتأييداً من ملايين الكورد حول العالم على اختلاف انتماءاتهم وأحزابهم، وكان برأيي من أهم ردود الأفعال التي يمكن التعويل عليها بشكل جدي في المراحل القادمة هو الدعم الذي أبداه إقليم كوردستان كأهم الفاعلين في دعم وإنجاح هذه المبادرة، لأنه أكثر من يمكن أن يحظى بثقة الجمهور الكوردي من جهة، والأطراف الباحثة عن الضمانات من جهة أخرى، ولا سيما بعد الإضافة التي قدمتها بيانات شخصية لها ثقلها مثل الرئيس مسعود البارزاني قبل الرسالة وبعدها.
قال الكاتب الأمريكي جوناثان راندل في كتابه (أمة في شقاق) ما معناه : الكورد متمرسون في المقاومة والقتال وغالبا ما ينتصرون في المعارك والحروب التي يخوضونها ولكنهم كانوا دائماً يفشلون في الحوار والسياسة وتحقيق مكتسبات فعلية على طاولة المفاوضات، وهذا برأيي صحيح بنسبة كبيرة فقد لانجد من يُشكك في مهارات الكورد العسكرية، وفي نفس الوقت لن نجد من يُشيد بخبراتهم السياسية.
طبعاً كان حديث جوناثان راندل عن مرحلة قديمة (معاهدات سيفر ولوزان)، وكان يمكن قبول فكرة السذاجة السياسية حينها على اعتبار أن التخلف السياسي كان سائداً في المنطقة، ولكن في وقتنا الراهن وبعد مرور قرن فإن طيبة الكورد أو بساطتهم لن تشفع لهم إذا فشلوا اليوم بعملية السلام، وإيجاد خارطة بالحوار تقود لحل عادل للقضية الكوردية .
المراحل الأولى ستكون الأصعب بكل تأكيد لما تتطلبه عملية بناء الثقة المتبادلة من وقت، ورسالة أوجلان مع التصريحات الإيجابية اللاحقة تركت القرار مرهوناً بقدرة تركيا وحزب العمال على المضي قدماً في هذه العملية وما تتضمنه من حلول لجميع الملفات، وتبعاً للتطورات سنشاهد ربما المزيد من الخطوات والتوافقات التي ترسخ وتعزز الاستقرار، ولا أستبعد حقيقة المنعطفات المفصلية في العملية كتعامل جديد مثلا مع السياسي صلاح الدين ديمرتاش أو الأحداث البارزة قريباً كأن يتم تعديل وضع أوجلان القانوني، بل وحتى الإفراج عنه ربما لتسهيل المشاورات حول الآليات التي ستتم وفقها عملية السلام الشاملة والعادلة لجميع الأطراف .
بكل تأكيد هناك تحديات وصعوبات تقف أمام نجاح المبادرة، وطبعاً هناك أطراف أيضاً ستعمل على محاولة عرقلة كل هذه الجهود، وكل هذه أسباب منطقية لرؤية بعض المتشائمين من مستقبل هذه الرسالة.
بالنسبة لي أنا أقرب للتفاؤل مرتين، منطقياً وسياسياً، فمن الناحية المنطقية أرى بأن أوجلان وحزب العمال الكوردستاني قد وصلوا بعد كل هذه السنوات إلى الوعي السياسي العميق والكافي لتغليب الحوار والفكر على الصراع، مثل ما أن حكومة العدالة والتنمية، التي سجل لها التاريخ كونها أول حكومة تعاملت بذكاء في مطلع هذه الألفية مع الملف الكوردي، ومنحت الكورد هامشاً بسيطاً من حقوقهم قد استوعبت بشكل أو بآخر جوهر القضية الذي عبر عنه في التسعينيات الرئيس التركي الأسبق تورغوت أوزال، والذي اقترب كثيراً من تحقيق السلام حينها بقوله: لا يمكن مواجهة الفكر بالسلاح.
أما من الناحية السياسية فإن ما يدعوني للتفاؤل هو رؤيتي للعديد من المتغيرات الدولية، وربطها بالمعادلات السياسية التي فرضتها المستجدات، والتي تخبرنا وفق معظم السيناريوهات أن توازن الثنائيات العالمية يشكل ضغطاً متزايداً على دول المنطقة ويدفع نحو حلحلة معظم الملفات والاضطرابات، وهذا ما يرجح بدوره نجاح دعوة أوجلان.
من لوزان إلى أوجلان مر الكورد ومرت الدولة التركية بعدة مراحل، وساد العلاقة بينهم الكثير من التذبذبات، وحل القضية الكوردية وعملية السلام سيشكلان لبنة أساس لا أبالغ إذا قلت بأنها ستكون أساسا لازدهار تركيا والمنطقة، وقد يشكلان أهم عامل في عضوية تركيا بالاتحاد الأوروبي وانفتاحها على الدول الإقليمية بشكل أكبر.
أياً كان مستقبل هذه الدعوة خلال الأيام والشهور القادمة ، فإن عملية السلام الشامل والعادل لن تغرق بعد اليوم، ولا سيما بعد أن طفت على السطح.