ماذا بعد العاشر من آذار؟

ماذا بعد العاشر من آذار؟
ماذا بعد العاشر من آذار؟

شهر آذار، شهر ربيعي تُزهر وتنتعش فيه الذاكرة الكوردية، لتخبرنا بما لا يمكن حصره من الأحداث والمناسبات الجميلة تارة والحزينة تارة أخرى، والمهتم بالشأن الكوردي يدرك تماماً قيمة هذا الشهر في التاريخ الكوردي بكل ما تحمله أيامه من ذكريات حملت بين طياتها الأفراح أحياناً ، والآلام أحياناً أخرى .

العاشر من آذار يحمل كغيره من الأيام تاريخاً عميقاً للكورد في كل مكان ، وربما يكون من أبرز أحداثه الاجتماع الذي جرى قبل خمسة وخمسين عاما في ناوبردان، عشية الاتفاق على الحكم الذاتي بين الملا مصطفى بارزاني وصدام حسين الذي لم يكن رئيساً حينها .

قبل أيام ، وفي العاشر من آذار حصل اتفاق بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، وأخذ الاتفاق تداولاً واسعاً بين مختلف شرائح السوريين، وإلى حد ما يمكن القول بأن معظم السوريين فرحوا بالاتفاق واختلافهم كان محصورا بين محتفل بالاتفاق، ورافض الاحتفال به بسبب حجم المآساة التي يمر بها الساحل واحتراماً للمئات من الضحايا والأبرياء .

عربياً ودولياً حظي الاتفاق بترحيب جيد من عدد لا بأس به من الدول ، وكُوردياً أيضاً حظي بدعم معظم الأطراف الكوردستانية، وفي مقدمتهم الرئيس مسعود بارزاني. 

نص الاتفاق على عدد من البنود المعلنة، وتكهنت وسائل الإعلام ببنود أخرى، وإلى حد كبير نستطيع القول بأن معظم السوريين دعموا الاتفاق بسبب البند الهام جداً، والمتعلق بوقف إطلاق النار في كافة الأراضي السورية، وأستطيع التأكيد على أن أحد البنود والمعني برفض التحريض وخطاب الكراهية لمسنا تأثيره مباشرة، وهذه نقطة إيجابية تُحسب للاتفاق أنه وخلال ساعات فقط بعد توقيعه تم لجم وإسكات الأبواق التي صدرتها وسائل التواصل على أنها نخب إعلامية، ومارست مع الأسف تحريضها وتجييشها لقطعان من العامة في هجومها على الكورد أو العلويين أو الدروز .. الخ ، ظناً منها - وهي مخطئة - بأنها تتزلف وتتقرب للإدارة الجديدة بهذه الطائفيَّة.

بعيداً عن الآراء وردات الفعل نذهب لما هو قادم بعد هذا الاتفاق سوريا وكورديا.

سورياً لا تزال الصعوبات كثيرة، والتحديات كبيرة أمام الإدارة الجديدة ، وخاصة في الملف الأمني وضبط السلاح وبعض الفصائل، إضافة للملفات الاقتصادية ومحاولات رفع العقوبات عن سوريا المرتبطة بالكثير من التعقيدات الخاصة بالانتقال السياسي والمرحلة الانتقالية، وطبعاً الإعلان الدستوري الذي يحتاج تفصيلاً طويلاً لما ورد فيه من مواد أثارت الجدل بين السوريين .

كوردياً لا يمكن الخوض كثيراً في الاتفاق ومعظم آليات تطبيقه غير واضحة بعد، وعمل اللجان التي تشكلت من الطرفين لم يبدأ، ولا يزال أمامنا شهور حتى نرى الإجراءات الفعلية والخطوات الحقيقية على أرض الواقع، ولكنه مبدئياً خطوة ممتازة لتغليب العقل والحوار ونبذ العنف والسلاح.

دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن هيكلية وزارة الدفاع يحتاج وقتاً، وإلى حد كبير المفاوضات حول التفاصيل تجري على قدم وساق، ولكن فيما يخص الإدارة الذاتية ودمج مؤسساتها ضمن الدولة السورية فأعتقد أن ذلك سيواجه بعض الصعوبات من ناحية أن شكل وتمثيل وحجم المشاركة في الإدارة الذاتية بالوقت الراهن ليس مقبولاً من جميع الأطراف العربية والسريانية وكذلك الأحزاب الكوردية في المنطقة، ولا بدَّ أن تكون اللجان المنبثقة عن الإدارة الذاتية للتفاوض والاندماج مع مؤسسات دمشق تشمل جميع الفعاليات والمستقلين ممن هم في أطر سياسية واجتماعية أخرى، وطبعاً تسارع الأحداث الذي دعى إلى تضارب في التصريحات أو المواقف حتى نكون أكثر دقة، فها هو مجلس سوريا الديمقراطي وغيره من المظلات رغم الترحيب بالاتفاق اضطر قبل يومين مع المجلس الوطني الكوردي إلى رفض الإعلان الدستوري صحبة الأحزاب والقوى الكوردية الأخرى .

أما من ناحية القضية الكوردية فأعتقد أنه من المبكر الحديث عن اتفاق يضمن حلها ، وذلك لأنه - على الرغم من أهمية وجود بند للمرة الأولى في وثيقة رسمية سورية يعترف بأن الكورد مكون أصيل ويضمن حقوقهم في المواطنة والدستور - لا يمكن التعاطي مع القضية الكوردية بهذا الشكل، والسيد مظلوم عبدي كقائد لقوات سوريا الديمقراطية تفاوض واتفق مع دمشق نيابة عن قوات عسكرية لها ثقلها وتأثيرها طبعاً، وليس نيابة عن الكورد، والكورد الذين شاركوا في جلسات مؤتمر الحوار الوطني قبل فترة أيضاً صرحوا بكلماتهم بأنهم لا يمثلون الكورد.

من يمثل الكورد في الحوار والنقاش حول إيجاد حل عادل للقضية الكوردية مع دمشق هو الحركة الكوردية أو اليوم يمكن أن نقول الوفد الكوردي الذي يجب أن يتشكل من الحوار الكوردي - الكوردي بين أحزاب الوحدة الوطنية والمجلس الوطني الكوردي والأحزاب الأخرى التي لا تنضوي تحت هذين الإطارين دون إقصاء أو تهميش للمستقلين من هذا الحوار .

دمشق لا تعيش اليوم الاستقرار الكبير نسبياً الذي كانت تعيشه بغداد عام 1970 ، والسيد مظلوم عبدي رغم نجاحه في خلق كاريزما خاصة به وقبول لدى الكثير من الكورد ، وتحقيق رصيد جيد لدى باقي الأوساط ، لكنه لا يملك مثل الملا مصطفى بارزاني الاسم البارز والإجماع الكوردي الكامل على تمثيله لهم ولقضيتهم عام 1970 ، ولهذا أقول إن الاختلاف كبير بين العاشر في آذار اليوم ، وبين العاشر من آذار قبل خمسة وخمسين عاماً .

الشرع وعبدي تمكنوا من تحقيق خطوة جيدة ، ولا بد أن يكون لهما مستقبلاً سياسياً وحضوراً بارزاً في التاريخ القادم إذا تمكنا من السير والثبات والتوافق في الخطوات القادمة.

ما أتمناه ختاماً للسوريين عامة وليس للكورد فقط أن لا يعكر هذا الاتفاق ويلغيه ويجدد الصراع مستقبلاً ، نكثاً له وتسويفاً بمتابعة ما يُكمله ، أو اتفاقية مثل اتفاقية الجزائر التي قضت على اتفاق الملا مصطفى بارزاني والحكومة العراقية قبل أكثر من نصف قرن .