حماية فيدرالية العراق في شرق أوسط ملتهب

خارطة المنطقة التي تُسمى بـ "الشرق الأوسط"
خارطة المنطقة التي تُسمى بـ "الشرق الأوسط"

بين بلدان الشرق الأوسط التي تشهد صراعات وحروب دائمة ، يقف العراق منذ أكثر من أربعة عقود، تحديدا منذ دخوله الحرب مع إيران عام 1980، في حالة عدم استقرار، امتدت بعد غزو الكويت ثم الحصار الدولي له ١٣ سنة، وحتى سقوط بغداد مع نظام البعث في ٩ أبريل ٢٠٠٩ على يد الجيوش الأنجلوأمريكية. 

وجاء دستور جديد يقر مبدأ الفيدرالي لبلد اتحادي جديد تبحث كافة مكوناته عن التوافق والتوازن والحوار والمستقبل المشترك، لكن تبعية قوى سياسية لدول جوار حالت دون تحقيق الاستقلال الوطني التام عند اتخاذ القرار، وبعد ٨ سنوات من سقوط نظام صدام حسين، حضر ما سمي بالربيع العربي لتشهد دول المنطقة تقلبات أتت على بعض أنظمتها، خاصة في اليمن وليبيا، وسوريا بعد رحلة طويلة من المواجهات الداخلية، فيما صححت مصر و تونس مساريهما بعد فترة قصيرة جدا، أما العراق فشهد حراكا داخليا على مستويات شعبية نتج عن غياب العدالة في توزيع ثروات البلد الغني بموارده ومكوناته. 

وخلال العقد الأخير، دخل العراق الفيدرالي مواجهتين، مع كورونا، و تنظيم داعش الإرهابي، وكان لجيشه وقوات البشمركة الكردية الفضل في القضاء عليه وتخليص المنطقة والعالم من شروره، لكن لم تكن الإنجازات الحكومية بعد ذلك على مستوى التضحيات القومية والعسكرية، فتعطلت كثيرا أهداف البلد في تحقيق توافق وطني بين قواه السياسية تنعكس نتائجه على المواطنين في كافة محافظاته ومناطقه.

لكن رغم الخلافات الدستورية بين الحكومة الاتحادية و حكومة إقليم كردستان، إلا هناك حوارات و زيارات متبادلة بين مسؤولي الجانبين، لكسر الجليد و حل الخلافات عبر الحوار والتفاهم، والبعض يحاول أن يعكر هذه الحوارات و يسعى لتعميق الخلافات خدمة لأجندات خارجية، إلا أن حرص المخلصين من الطرفين على إدامة الحوار تظل أقوى من هذه التوجهات غير الوطنية التي لا تخدم تعزيز الاستقرار و السلام.

وجاءت الزيارة الأخيرة لرئيس وزراء العراق الاتحادي محمد شياع سوداني إلى أربيل، و اللقاء مع الزعيم الكوردي مسعود بارزاني، و رئيس وزراء الإقليم مسرور بارزاني، في ظروف حساسة و بالغة التعقيد تمر بها المنطقة، فرغم استهداف الزيارة كسب دعم الكورد للسيد سوداني للانتخابات التشريعية العراقية المزمع إجراؤها في ١١ نوفمبر المقبل، إلا أنها ركزت على ضرورة حل الخلافات الدستورية بين أربيل وبغداد، وضمان تصدير نفط كوردستان، وناقشت الشؤون الإقليمية. 

ونظن أن اللجوء إلى الحوار عنوان للحرص على حلحلة الخلافات، أما تراكمها دون حل له الأثر السلبي على العراق، وخاصة و نحن مقبلون على تغيرات خطيرة قد توثر سلبا على العراق، ما لم يكن اللجوء إلى الدستور حلا لتلافي الخلافات. 

فالمناطق المتنازع عليها، المناطق الكردستانية خارج الإقليم، و كوردستان، وتصدير النفط، قضايا أزلية تجعل زيارة السوداني لأربيل لها أهمية خاصة في الوقت الراهن، مع حلها يمكن توحيد الكلمة و الموقف العراقي تجاه المتغيرات الإقليمية والدولية، وتلافي أزمات داخلية مستقبلا.
 
ونرى أن الحكومة العراقية عليها عدم خلط الأمور الحزبية والسياسية بشؤون الدولة والحقوق الدستورية للشعب الكوردي، خاصة وأنها تجد تجاوبا شديدا من قبل الزعيم مسعود بارزاني الذي ينادي بالتوافق الوطني وإشاعة وإحلال السلام، وقد جعلت رؤيته من كوردستان واحة للاستقرار والتآخي، ما يضع على الأطراف العراقية مسؤولية التعامل مع الجانب الكوردي كشريك أساسي في العملية السياسية و بناء عراق ديمقراطي فيدرالي، و عدم الانجرار وراء السراب، لأن المصلحة العليا للعراق فوق جميع المصالح الشخصية و الطائفية، وأخذ العبر و الدروس من مصير الأنظمة السابقة يجعلنا جميعا نرجح كفة المصلحة الوطنية العليا لهذا البلد بكافة مكوناته.

سيكون لقادة العراق كافة صفحات مضيئة في التاريخ إذا ما أعادوا هذا البلد آمنا في مكانة تليق به، فحصنوا وحدته، وصانوا استقلاله، وجعلوا من تنوع مكوناته مصدر قوة و سببا لها.