د. سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ- ألمانیا
هل الکرة الأمریكية في ملعب إیران؟
علی الرغم من أن المفاوضات التي جرت و التي سوف تجري في الأیام المقبلة بین الولايات المتحدة وإيران تحمل في طیاتها الكثير من الغموض، إلا أننا لانعرف إن کانت تلك اللقاءات الدبلوماسية هي مجرد وسیلة لتسجیل نقاط سیاسية أم محاولات جادة للوصول الی تسوية حقيقة. فالجانبان يسعیان الی إظهار التوجس من بعضها، فلا الطرف الإیراني يرد أن يُفهم سعیه كتنازل أو ضعف ولا الطرف الأمریکي يريد أن يُظهر کسفله الدیمقراطي، الذي فشل في الوصول الی إتفاق موقع بشروط يقيّد البرنامج النووي الإيراني.
مانعرفه هو أن المفاوضات الأمریكية الإیرانیة سوف تسعی في جولاتها القدمة الی عرض أراء و مقترحات توصل الطرفية الی الوصول لصیغة توافقية تتحقق فيها الشروط الواردة في رسالة المبعوثة من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الی المرشد الأعلی للنظام الإيراني والاهداف الإيرانية المستوحاة من تصریحات المرشد في بقاء النظام السياسي وضمانة عدم التعرض إليه.
هل يؤکد الجانب الأمریكي في مفاوضاته علی عملية تفكيك نهائي للقدرات النووية الإرانية بحيث لا تعود هذه الدولة للتهديد بها وتوظيفها في مشروعها السياسي الإقليمي، أم يسمح لإیران إستخدام ورقة المفاوضات كتكتيك مرحلي لاحتواء أزمة اقتصادية طاحنة تهدد داخل و أرکان الدولة؟
هذا سؤال جوهري لا نستطيع الآن إجابته بشكل دقيق. إن العمل علی تخصيب اليورانيوم بنسبة لاتتجاوز الـ ٣،٦٧٪ لاستخدامها في الأمور العلمية والبحثية والطرق السلمية وباشراف دقيق من قبل مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تکون خطوة بناءة للوصول الی حلول سلمية، لکن إیران تمکنت بعد إنسحاب ترامب من إتفاقية عام ٢٠١٥ بالتحديد إیصال کمية التخصیب الی ٦٠٪ و لا تقبل القیام بتحویل تلك الکمية الی دولة أخری لغرض المراقبة، إذن کیف یکمن الوصول لاتفاق يعين طهران ويحقق لواشنطن أهدافها؟
وزير خارجية إیران، عباس عراقجي، الذي كان أحد أعضاء الوفد المفاوض في اللقاءات التي جرت في السنوات السابقة بین إیران و الأطراف ٥+١ في النمسا يعلم بأن المفاوض الأمريكي الجديد جاد في تنفيذ ما یراه ضروري لتحقيق شروط إدارته، یدرك المضمون الذي تتمسك بها الإدارة الأمريکية، لذا نراه يمیل الی إعتبار الوكالة الدولية للطاقة الذرية هي المرجعية الخارجية الوحيدة التي يسمح لها بالرقابة على البرنامج النووي الإيراني.
بالتأکيد هناك إختلاف في الرأي بين أعضاء في الکونغرس الإمريكي، مثلا السيناتور ليندسي غراهام والسيناتور توم كوتون ورئيس مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات من طرف و مستشار الأمن القومي مايك والتز و وزير الخارجية ماركو روبيو من طرف آخر، حول آلية التعامل مع الملف النووي الإیراني، فالطرف الأول يريد إستخدام الحوار السياسي البناء والتفاوض الدبلوماسي کأسلوب أولي في حل الخلافات مع إيران، في المقابل يری الطرف الثاني بأن إیران اليوم مقارنة بعام ٢٠١٥ في موقف ضعیف، لذا يجب العمل علی تفكيك برنامجها النووي دون تقديم أي تنازلات، مع الضغط السياسي والتلويح بالضربة العسكرية في حال فشل المفاوضات.
إیران بعد الحصول علی الضوء الأخضر من قبل المرشد حسمت أمرها، فهي تری في المفاوضات حل ميداني يبعده عن أي مواجهة عسکرية، التي يمکن أن تساعد علی خلق فوضی عارمة قد تؤدي بحیاة النظام السياسي و مؤسساته الأمنية والعسکرية و تهيء أرضية لبروز الخلاف المذهبي والقومي من قبل الشعوب الايرانية مع النظام وسياسته الداخلية.
إذن الکرة الأمريكية الآن في الملعب الإیراني و علی إیران أن الإعتراف بالواقعية السياسية و الإبتعاد عن حافة الحرب و الإستمرار في الحوار الدبلوماسي، لکي لا تتحول الأمر الی إستخدام سياسة "الضغوط القصوى" أو تنفيذ عمل عسكري ضدها.