مصطفى عبد الوهاب العيسى
كاتب وباحث
نحو السلام ونبذ العنف
ليس السلام ضعفاً أبداً ، بل هو مسؤولية وخيار نابع من نضج وإدراك عميق ، وفي بعض الأحيان ووفقاً لمعطيات الواقع وخصوصية القضايا التي يؤمن بها الإنسان فإن السلام بحد ذاته قد يكون تعبيراً عن شجاعة استثنائية .
بالنسبة لي كداعم ومتعاطف مع القضية الكردية ، وباحث في أدق تفاصيلها وجذورها وعمق مساراتها التاريخية ، ومؤمن بالنضال السلمي وبالأساليب الديمقراطية أرى أن حزب العمال الكردستاني قد أقدم على خطوة تاريخية فارقة بقراره حل نفسه خلال مؤتمره الثاني عشر الذي عُقد قبل أيام ، وبعد وقف إطلاق النار الذي أُعلن عنه قبل أكثر من شهرين في إطار عملية السلام .
من الصعب الغوص في مواطن الاختلاف مع العمال الكردستاني ، ولا سيما بعض الجوانب التي لا أتفق معها فكرياً أو سياسياً ، وتحتاج إلى وقت طويل ليفهمها القارئ بعمق ، وخاصة ما يتعلق بالإيديولوجيا التي تحتاج إلى استفاضة بالشرح حتى نقف على حيثياتها بموضوعية دون أن يُفهم الحديث على غير وجهه ، أو يُفسر على أنه تبرير لأفعال ومواقف أو رفض مطلق لأفعال ومواقف أخرى .
اليوم لا بد من الإجماع بأن حل العمال الكردستاني لنفسه قد عبر عن وعي سياسي ، ورغبة حقيقية في الانتقال من منطق الصراع وميادين القتال إلى منطق السلام والحلول الواقعية المستدامة ، وكان مفصلاً هاماً في عملية السلام التي ستنعكس آثارها بشكل إيجابي على المنطقة بأكملها .
من أبرز خصائص الشعب الكردي أنه شعب يحب الحياة وينبذ الحروب والعنف ، ويجنح بطبيعته إلى السلم والسلام ، وقد عُرف عبر العصور بطيبته مع جيرانه ، ولم يكن يوماً شعباً عدائياً أو ساعياً للصراع ، وإلى جانب ذلك فإن عدالة القضية الكردية لا يختلف على إنسانيتها اثنان ، وهذا ما جعل الحركات الكردية ومعظم الأحزاب التي انبثقت عنها تميل إلى الفكر اليساري غالباً ، وإلى حد كبير تميل إلى تيارات (اليسار الوسط) أو التيارات المعتدلة ، أما حزب العمال الكردستاني فقد تميز بانحيازه إلى يسارية متطرفة نوعا ما ، وهو ما أسلفت الحديث بأنه شكل أحد مواطن الاختلاف معه ، ومع ذلك فإن الاعتراف بالاختلاف دون الوقوع في فخ التخوين كان دوماً من أرقى أشكال النقاش السياسي ، وخاصة في الحوارات التي جمعتني مع كتاب ومثقفين يتبنون فكر العمال الكردستاني بشكل واضح .
ما أذكره دائما أنني كنت أتقصد ذكر الحجج المنطقية المذكورة في مؤلفات أوجلان ، وخصوصاً تلك التي ينتقد فيها بعض سياسات الحزب ، والتي خصص لها فصولاً كاملة في بعض الكتب حيث تناول الأخطاء التي وقع فيها الحزب ، وأكد ضرورة معالجتها من خلال إعادة تنظيمه بشكل مختلف ( كما في كتاب الدفاع عن شعب ) .
أتبنى اليوم وباختصار - وقد أكون مخطئاً - فكرة أن إدراك العمال الكردستاني لأهمية انتهاج النضال السلمي لم يكن وليد محادثات عملية السلام الأخيرة فحسب ، بل قد يكون نتاجاً لمسار فكري ونقدي بدأ منذ سنوات قبل أن ينضج مؤخراً بهذا الشكل ، وما يعزز هذه الرؤية هو تلك المحاولات السابقة التي لم تكلل بالنجاح غالباً بسبب تدخلات ومصالح أطراف خارجية كانت تسعى لإفشال أي مسعى جاد نحو السلام ، ولهذا فإنه من الواجب اليوم التنبه لهذه الأطراف المتربصة التي قد تحاول مجدداً عرقلة هذه العملية بعد أن قطعت شوطاً كبيراً نحو تحقيق هدفها .
إن الخطوة التي اتخذها حزب العمال الكردستاني تعد منعطفاً تاريخياً من شأنه أن يفتح فصلاً جديداً في مسار القضية الكردية ومستقبل الاستقرار في المنطقة ، ولا بدَّ أن تُقابل هذه الخطوة بخطوات إيجابية ومسؤولة من جميع الأطراف المعنية لأننا أمام فرصة ثمينة لوقف دوامة العنف التي أودت بحسب بعض المصادر بحياة أكثر من عشرة آلاف شخص على مدار العقود الماضية .
نناشد جميع القوى الفاعلة ، والمعنية بهذه العملية بتغليب لغة الحوار وتوحيد الجهود الصادقة لإنهاء النزاع ، ولا بدَّ أن ندعم بقوة كل هذه المبادرات السلمية التي تهدف لوأد الصراع بالوسائل الديمقراطية ، ونأمل أن تشكل هذه الخطوة - التي رحبت بها تركيا ومعظم القوى الكردية في المنطقة ، ولاقت الدعم من إقليم كردستان وكبرى الأحزاب والشخصيات الكردستانية كالرئيس البارزاني - بداية تحول جذري يُفضي إلى سلام دائم يطوي صفحات القتال والمعاناة ، ويمهد لواقع جديد تسوده المساواة والعيش الكريم ويحقق حلا عادلا للقضية الكردية في مناخ من الحرية والتنمية والديمقراطية .
وفي الختام أقول بأنه يجب أن يتم استثمار هذا الإجماع الكردي النادر ، والترحيب الذي حظيت به هذه الخطوة استثماراً ناجحاً ، والاستفادة من المتغيرات الإقليمية الراهنة والظروف الدولية الحالية بأفضل شكل يحقق ويعزز الاستقرار في المنطقة .