ثورات أم حروب أهلية ؟!

ثورات أم حروب أهلية ؟!
ثورات أم حروب أهلية ؟!

لم تكن المقالات والدراسات التي نُشرت حول صناعة الربيع العربي أو التدخل المباشر في توجيهه بأيادٍ أجنبية ولوبيات مختلفة ، قد كُشفت بهذه الدرجة من الوضوح آنذاك ، كما لم تكن قد صدرت بعدُ مذكرات أو اعترافات تكشف كواليس الأحداث ، كما أقر بذلك لاحقاً ساسة من الطراز الرفيع ، وهذا ما يجعلنا ، نحن المشاركين والمنخرطين في ثورتنا السلمية عام 2011 ، نعيش مرتاحي البال من دون تأنيب ضمير أو ما شابه ، لأن ثورتنا كانت حقيقية وشعبية بكل ما تحمله الكلمة من معنى ، ضد نظام مستبد غابت فيه العدالة والتنمية والديمقراطية ، وساد فيه الفساد ، وتدهورت فيه الأوضاع الاقتصادية .

أخلاقياً وإنسانياً ، وفي ظل الاستقرار السياسي والأمني ، لا شيء أجمل من استقالة حكومة بسبب فشل فرق الدفاع المدني في إنقاذ قطة عالقة في منزل يحترق على سبيل المثال ، وليس هناك أروع من سقوط نظام نتيجة حادثة معينة أفقدته شرعيته ومهامه الأساسية .

أما في واقعنا السوري ، وعلى الصعيد السياسي تحديداً ، فالأحكام تختلف كثيراً ، ولا بدَّ لنا من التحلي بالموضوعية ، والاستفاقة من أحلام يقظة رومانسية تبحث عن حكم عادل يُشبه حكم الإمام علي أو الفاروق عمر ، أو عن حاكم يملك خصلة من خصال المسيح عليه السلام .

بعيداً عن حالة التخبط التي تعيشها سوريا بأكملها ، وعن وضع الشعب الحائر والباحث عن الخلاص ، وبمعزل عن قضايا المجتمع المدني والنقد المرتبط بالخدمات وما شابه - والتي أفضّل أن أتركها لأصحاب الشأن - فإنني لا أتفق مع النظام الحالي في عدد لا يُحصى من النقاط ، ومع ذلك أظل مقتنعاً بأن الإنجاز الأبرز - بالنسبة لي على الأقل - خلال الأشهر الخمسة الماضية ، هو اتساع هامش حرية التعبير ، وهي ليست مبالغة حين أقول إن ما جرى بين محافظ السويداء مصطفى البكور ، والسيدة غادة الشعراني يُعد أول لقاء بهذا القدر من الشفافية بين مسؤول وممثل منذ أكثر من ستين عاماً في سوريا .

وبالطبع ، لا نزال نطالب بالمزيد من حرية التعبير ، غير أن النقطة الأهم التي أترقبها للحكم بشكل موضوعي على النظام الحالي في دمشق ، هي مدى الانفتاح على المشاركة السياسية في مفاصل الدولة ، ولا سيما إشراك شخصيات وأحزاب وطنية متنوعة ، وهنا بالضبط يكمن جوهر هذا المقال : هل المشاركة السياسية تتطلب ثورة لتحقيقها ؟

في هذا السياق ، أجد نفسي متفقاً مع السلطة الجديدة في نقطة محورية ، وهي أن الثورة ، أو على الأقل الثورة المسلحة قد انتهت ، وأننا اليوم في طور الانتقال إلى مرحلة الدولة ، وأية دعوات حالية لثورات جديدة تبدو - في نظري - مشبوهة وتحوم حولها علامات استفهام عديدة ، وإن كان لا بد من تسمية ما نطالب به بـ"ثورة" ، فإن الواجب أن نعود إلى الثورة الحقيقية : السلمية ، والبسيطة ، والوطنية ، لأن وجود هذا الكم من الفصائل المسلحة ، وما تملكه من عدة وعتاد ، لا يقود إلى ثورات ، بل إلى حروب أهلية بكل بساطة .

على الرغم من رفض العديد من الأطراف والفرق للاتفاق الذي تم بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي ، ورغم التحفظ على بعض بنوده ، فإنني أرى من الضروري دعمه بقوة ، انطلاقاً من قناعتي بأنه يمثل هدنة مؤقتة على الأقل ، تسهم في ترجيح كفة الحوار والتفاوض على سائر الحلول الأخرى ، وينسحب هذا الموقف على سائر الاتفاقات واللقاءات التي أجرتها دمشق مع مختلف المناطق .

لا أقبل من عرَّاب القومية العربية جمال عبد الناصر أن يزايد عليَّ في العروبة ، ومع ذلك فإن الدعوات إلى ما يُسمى بالثورات العربية أو ما شابهها في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية ، مرفوضة بالنسبة لي جملة وتفصيلاً .

مؤمنٌ بعدالة القضية الكردية قبل أن أولد ، وأراها قضية موروثة ، لا تقل شأناً عن القضية الفلسطينية ، بل أعتبرها قضيتي الشخصية ، التي قدمنا ونقدم لها أكثر مما قدمته بعض الأحزاب الكردية الرخيصة التي تُباع وتُشترى بحفنة من الدولارات ، ومع ذلك فإنني أرفض ما يُسمّى بـ"الثورة الكردية" عندما تأتي من شخصيات كرتونية في فضاءات التواصل الاجتماعي ، وهي لا تعرف عن الألم الكردي شيئاً ، ولا تكلف نفسها ثمناً وهي غارقة في رفاهية العيش بعيداً عن سوريا ، ومكتفية بالتنظير على الكُرد دون أن تخسر شيئاً .

جراحات أهلنا العلويين ، وما سال من دماء الأبرياء في مجازر الساحل الأخيرة ، لا تزال تؤلمني حتى يومنا هذا ، ولكنني مع كل هذا الألم أرفض أي تحريض يُسمَّى بـ"ثورة في جبال العلويين" ، وأدين مثل هذه الدعوات التي تصدر عن جهات مشبوهة وشخصيات هاربة لا تمثل أحداً سوى أوهامها ، وينطبق الموقف ذاته على إخوتنا الدروز ، وغيرهم من أبناء المكونات السورية . 

لست مع ثورة حلبية أو شامية ، ولا أقبل بأية دعوة إلى ثورة طائفية أو دينية أو مناطقية ، ولا أؤمن بأن خلاص سوريا سيكون عبر تفتيتها هوياتياً بحجة الثورات .

لا قيمة ولا وزن بإذن الله للمدفوعة أجورهم غالباً من الناشطين أو الناشطات خارج سوريا ، وفي أوروبا خاصة ، سواء أولئك الذين يصطفون إلى جانب السلطة الجديدة ويشكلون امتداداً فجَّاً لأساليب التطبيل والتشبيح ، أو أولئك الذين يلهثون خلف الأضواء والشهرة تحت عباءة نخب معارضة وثورية جديدة ، مصحوبين باضطرابات نفسية أو بدوافع شخصية مشوهة ، ومع أننا لا نعيرهم اعتباراً ، فإننا لا نستطيع إغفال ما قد تسببه دعواتهم المريضة من ضرر على سوريتنا ، وهويتنا ، وقضيتنا .

مطالبنا كثيرة ، وأحلامنا في سوريا القادمة أكثر ، ومع مضي الأشهر بدأ الوقت يضيق على السلطة الانتقالية ، فيما لا تزال الساحة تضج بدعوات تحمل شعار "الثورة" ، وهي في حقيقتها أقرب إلى السذاجة والجهل منها إلى الفهم السياسي ، ناهيك عن بعدها عن الواقع والمنطق .

في مناخ صحي وديمقراطي ، من الطبيعي أن نعارض النظام القائم ، وأن نطالب بالتغيير ، والانتقال السلمي للسلطة، والمشاركة السياسية ، وإجراء انتخابات نزيهة ، أما الدعوات إلى ثورات جديدة فهي من الناحية الأخلاقية والإنسانية سلبية بما تحمله النتائج التي أصبحت معروفة بالنسبة لمن يقرأ الأجندات مسبقاً ، ومن الناحية السياسية تفتقر إلى الرؤية السياسية والحكمة ، وذلك لأن الواقع الإقليمي والدولي يتيح حتى الآن فرصة معقولة لتوافق بين القوى الكبرى ، والذي قد يدفع بالدول الإقليمية نحو دعم الاستقرار والتهدئة ، وذلك في إطار مشاريع تتجاوز سوريا أصلاً ، وتمتد إلى ملفات إقليمية أخرى أكثر تعقيداً وتشابكاً .

وعلى الرغم من صعوبة التوازن بين التناقضات الحادة في الداخل السوري ، فإن الإمساك بالعصا من المنتصف ليس مستحيلاً ، وهنا يكمن التحدي الحقيقي أمام الشرع والسلطة الجديدة :

إما أن يقودوا البلاد خلال الأشهر القادمة نحو حالة من الاستقرار النسبي والمعقول ، أو أن نواجه صيفاً ساخناً يحمل في طياته مزيداً من المفاجآت ، وما لا تُحمد عقباه من الفوضى .

بضعة أشهر حاسمة ، وفرصة شبه أخيرة أمام السلطة وأمام الشعب على حد سواء للعبور نحو مستقبل أفضل ، أو السقوط مجدداً في الهاوية . 

وفي حال الفشل ، فلن يكون العتب أو السخط موجهاً إلى السلطة أو الشعب بقدر ما سيكون موجهاً إلى النخب الوطنية الغائبة من أحزاب وقامات سياسية ، وشخصيات عشائرية ، وكتاب ومثقفين ومفكرين وساسة اختاروا الصمت أو الابتعاد في لحظة كانت البلاد في أمس الحاجة إليهم .