مصطفى عبد الوهاب العيسى
كاتب وباحث
ثورات أم حروب أهلية ؟!
لم تكن المقالات والدراسات التي نُشرت حول صناعة الربيع العربي أو التدخل المباشر في توجيهه بأيادٍ أجنبية ولوبيات مختلفة ، قد كُشفت بهذه الدرجة من الوضوح آنذاك ، كما لم تكن قد صدرت بعدُ مذكرات أو اعترافات تكشف كواليس الأحداث ، كما أقر بذلك لاحقاً ساسة من الطراز الرفيع ، وهذا ما يجعلنا ، نحن المشاركين والمنخرطين في ثورتنا السلمية عام 2011 ، نعيش مرتاحي البال من دون تأنيب ضمير أو ما شابه ، لأن ثورتنا كانت حقيقية وشعبية بكل ما تحمله الكلمة من معنى ، ضد نظام مستبد غابت فيه العدالة والتنمية والديمقراطية ، وساد فيه الفساد ، وتدهورت فيه الأوضاع الاقتصادية .
أخلاقياً وإنسانياً ، وفي ظل الاستقرار السياسي والأمني ، لا شيء أجمل من استقالة حكومة بسبب فشل فرق الدفاع المدني في إنقاذ قطة عالقة في منزل يحترق على سبيل المثال ، وليس هناك أروع من سقوط نظام نتيجة حادثة معينة أفقدته شرعيته ومهامه الأساسية .
أما في واقعنا السوري ، وعلى الصعيد السياسي تحديداً ، فالأحكام تختلف كثيراً ، ولا بدَّ لنا من التحلي بالموضوعية ، والاستفاقة من أحلام يقظة رومانسية تبحث عن حكم عادل يُشبه حكم الإمام علي أو الفاروق عمر ، أو عن حاكم يملك خصلة من خصال المسيح عليه السلام .
بعيداً عن حالة التخبط التي تعيشها سوريا بأكملها ، وعن وضع الشعب الحائر والباحث عن الخلاص ، وبمعزل عن قضايا المجتمع المدني والنقد المرتبط بالخدمات وما شابه - والتي أفضّل أن أتركها لأصحاب الشأن - فإنني لا أتفق مع النظام الحالي في عدد لا يُحصى من النقاط ، ومع ذلك أظل مقتنعاً بأن الإنجاز الأبرز - بالنسبة لي على الأقل - خلال الأشهر الخمسة الماضية ، هو اتساع هامش حرية التعبير ، وهي ليست مبالغة حين أقول إن ما جرى بين محافظ السويداء مصطفى البكور ، والسيدة غادة الشعراني يُعد أول لقاء بهذا القدر من الشفافية بين مسؤول وممثل منذ أكثر من ستين عاماً في سوريا .
وبالطبع ، لا نزال نطالب بالمزيد من حرية التعبير ، غير أن النقطة الأهم التي أترقبها للحكم بشكل موضوعي على النظام الحالي في دمشق ، هي مدى الانفتاح على المشاركة السياسية في مفاصل الدولة ، ولا سيما إشراك شخصيات وأحزاب وطنية متنوعة ، وهنا بالضبط يكمن جوهر هذا المقال : هل المشاركة السياسية تتطلب ثورة لتحقيقها ؟
في هذا السياق ، أجد نفسي متفقاً مع السلطة الجديدة في نقطة محورية ، وهي أن الثورة ، أو على الأقل الثورة المسلحة قد انتهت ، وأننا اليوم في طور الانتقال إلى مرحلة الدولة ، وأية دعوات حالية لثورات جديدة تبدو - في نظري - مشبوهة وتحوم حولها علامات استفهام عديدة ، وإن كان لا بد من تسمية ما نطالب به بـ"ثورة" ، فإن الواجب أن نعود إلى الثورة الحقيقية : السلمية ، والبسيطة ، والوطنية ، لأن وجود هذا الكم من الفصائل المسلحة ، وما تملكه من عدة وعتاد ، لا يقود إلى ثورات ، بل إلى حروب أهلية بكل بساطة .
على الرغم من رفض العديد من الأطراف والفرق للاتفاق الذي تم بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي ، ورغم التحفظ على بعض بنوده ، فإنني أرى من الضروري دعمه بقوة ، انطلاقاً من قناعتي بأنه يمثل هدنة مؤقتة على الأقل ، تسهم في ترجيح كفة الحوار والتفاوض على سائر الحلول الأخرى ، وينسحب هذا الموقف على سائر الاتفاقات واللقاءات التي أجرتها دمشق مع مختلف المناطق .
لا أقبل من عرَّاب القومية العربية جمال عبد الناصر أن يزايد عليَّ في العروبة ، ومع ذلك فإن الدعوات إلى ما يُسمى بالثورات العربية أو ما شابهها في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية ، مرفوضة بالنسبة لي جملة وتفصيلاً .
مؤمنٌ بعدالة القضية الكردية قبل أن أولد ، وأراها قضية موروثة ، لا تقل شأناً عن القضية الفلسطينية ، بل أعتبرها قضيتي الشخصية ، التي قدمنا ونقدم لها أكثر مما قدمته بعض الأحزاب الكردية الرخيصة التي تُباع وتُشترى بحفنة من الدولارات ، ومع ذلك فإنني أرفض ما يُسمّى بـ"الثورة الكردية" عندما تأتي من شخصيات كرتونية في فضاءات التواصل الاجتماعي ، وهي لا تعرف عن الألم الكردي شيئاً ، ولا تكلف نفسها ثمناً وهي غارقة في رفاهية العيش بعيداً عن سوريا ، ومكتفية بالتنظير على الكُرد دون أن تخسر شيئاً .
جراحات أهلنا العلويين ، وما سال من دماء الأبرياء في مجازر الساحل الأخيرة ، لا تزال تؤلمني حتى يومنا هذا ، ولكنني مع كل هذا الألم أرفض أي تحريض يُسمَّى بـ"ثورة في جبال العلويين" ، وأدين مثل هذه الدعوات التي تصدر عن جهات مشبوهة وشخصيات هاربة لا تمثل أحداً سوى أوهامها ، وينطبق الموقف ذاته على إخوتنا الدروز ، وغيرهم من أبناء المكونات السورية .
لست مع ثورة حلبية أو شامية ، ولا أقبل بأية دعوة إلى ثورة طائفية أو دينية أو مناطقية ، ولا أؤمن بأن خلاص سوريا سيكون عبر تفتيتها هوياتياً بحجة الثورات .
لا قيمة ولا وزن بإذن الله للمدفوعة أجورهم غالباً من الناشطين أو الناشطات خارج سوريا ، وفي أوروبا خاصة ، سواء أولئك الذين يصطفون إلى جانب السلطة الجديدة ويشكلون امتداداً فجَّاً لأساليب التطبيل والتشبيح ، أو أولئك الذين يلهثون خلف الأضواء والشهرة تحت عباءة نخب معارضة وثورية جديدة ، مصحوبين باضطرابات نفسية أو بدوافع شخصية مشوهة ، ومع أننا لا نعيرهم اعتباراً ، فإننا لا نستطيع إغفال ما قد تسببه دعواتهم المريضة من ضرر على سوريتنا ، وهويتنا ، وقضيتنا .
مطالبنا كثيرة ، وأحلامنا في سوريا القادمة أكثر ، ومع مضي الأشهر بدأ الوقت يضيق على السلطة الانتقالية ، فيما لا تزال الساحة تضج بدعوات تحمل شعار "الثورة" ، وهي في حقيقتها أقرب إلى السذاجة والجهل منها إلى الفهم السياسي ، ناهيك عن بعدها عن الواقع والمنطق .
في مناخ صحي وديمقراطي ، من الطبيعي أن نعارض النظام القائم ، وأن نطالب بالتغيير ، والانتقال السلمي للسلطة، والمشاركة السياسية ، وإجراء انتخابات نزيهة ، أما الدعوات إلى ثورات جديدة فهي من الناحية الأخلاقية والإنسانية سلبية بما تحمله النتائج التي أصبحت معروفة بالنسبة لمن يقرأ الأجندات مسبقاً ، ومن الناحية السياسية تفتقر إلى الرؤية السياسية والحكمة ، وذلك لأن الواقع الإقليمي والدولي يتيح حتى الآن فرصة معقولة لتوافق بين القوى الكبرى ، والذي قد يدفع بالدول الإقليمية نحو دعم الاستقرار والتهدئة ، وذلك في إطار مشاريع تتجاوز سوريا أصلاً ، وتمتد إلى ملفات إقليمية أخرى أكثر تعقيداً وتشابكاً .
وعلى الرغم من صعوبة التوازن بين التناقضات الحادة في الداخل السوري ، فإن الإمساك بالعصا من المنتصف ليس مستحيلاً ، وهنا يكمن التحدي الحقيقي أمام الشرع والسلطة الجديدة :
إما أن يقودوا البلاد خلال الأشهر القادمة نحو حالة من الاستقرار النسبي والمعقول ، أو أن نواجه صيفاً ساخناً يحمل في طياته مزيداً من المفاجآت ، وما لا تُحمد عقباه من الفوضى .
بضعة أشهر حاسمة ، وفرصة شبه أخيرة أمام السلطة وأمام الشعب على حد سواء للعبور نحو مستقبل أفضل ، أو السقوط مجدداً في الهاوية .
وفي حال الفشل ، فلن يكون العتب أو السخط موجهاً إلى السلطة أو الشعب بقدر ما سيكون موجهاً إلى النخب الوطنية الغائبة من أحزاب وقامات سياسية ، وشخصيات عشائرية ، وكتاب ومثقفين ومفكرين وساسة اختاروا الصمت أو الابتعاد في لحظة كانت البلاد في أمس الحاجة إليهم .