د. باساك برزنجي
نقيب نقابة أطباء كوردستان
الصمود – خۆڕاگریی
استلهم الطبيب الفرنسي الشهير بوريس سيرولنيك من علم الفيزياء مفهوم "الصمود"، وأدخله إلى العلوم الطبية كمصطلح يعكس قدرة الإنسان على التكيّف مع الضغوط والصدمات.
في الفيزياء، تُشير كلمة "المقاومة" إلى خاصية الأجسام في مواجهة الضغط الخارجي، حيث يُظهر الجسم قدرة على مقاومة التأثير. أما في العلوم الطبية، فإن "الصمود" يمثل عملية متعددة الأبعاد تشمل قدرة الإنسان على النهوض، والتكيف، والتعافي، والحفاظ على التوازن النفسي والجسدي رغم ما يواجهه من صدمات وضغوط داخلية وخارجية.
الصمود ليس فقط رد فعل جسدي أو نفسي، بل هو أيضاً سلوك إرادي تحركه عوامل عدّة مثل الوراثة، والثقة بالنفس، والتفاؤل، والدعم الأسري والمجتمعي.
من المنظور الفلسفي، يمثل الصمود نهجاً للحياة يقوم على البقاء قوياً في مواجهة الصعوبات، والتكيف مع التغيّرات، والنمو من خلالها. كما عبّر نيتشه بقوله: "ما لا يقتلني يجعلني أقوى".
الكورد، كشعب مقسّم وأقلية تواجه تهديدات دائمة من قبل الأمم المهيمنة، تحملوا على مرّ التاريخ صنوفاً من الاضطهاد، من العنصرية والقمع الاجتماعي والاقتصادي، إلى الحصار والإبادة الجماعية والقصف الكيماوي. لقد كان الكورد دوماً في نضال مستمر من أجل البقاء والتحرر، لذا كان الصمود بالنسبة لهم، على المستوى النفسي والسياسي والفلسفي، ضرورة وجودية.
وقد تجلّى صمود الكورد في آليات متعددة، أبرزها:
حماية الهوية الثقافية واللغوية
المواجهة الفردية والجماعية
الفن كشكل من أشكال التعبير والمقاومة
الإلهام من تاريخ الانتصارات والقيادات
واستمرارية المقاومة الشعبية
وكما قال الفيلسوف فالتر بنيامين: "التاريخ يكتبه المنتصرون، لكن صمود الناجين من الإبادة هو رفض للمحو وذاكرة حية."
إن مقاومة الكورد لا تقتصر على الحفاظ على وجودهم كأمة، بل تتعداها إلى السعي للتقدم الاقتصادي والسياسي، وتعزيز موقعهم الإقليمي.
ورغم الأزمات المتتالية – من الحروب إلى الانهيارات الاقتصادية، والتوترات السياسية الداخلية والخارجية – فإن جوهر الصمود الكوردي لم يضعف. فكما قال جيمس بالدوين: "ما تسميه بمرارة الفشل يمكن أن يكون نجاحاً."
لقد رفع مجلس الوزراء الجديد في حكومة إقليم كوردستان شعار "خۆڕاگریی – الصمود"، وتمكّن من خلاله من مواجهة الأزمات والتحديات، والبدء بإعادة بناء منظومة قوية تستند إلى:
إعمار البنية التحتية
تنمية الاقتصاد
ترسيخ نظام مالي متطور
وإطلاق مشاريع استراتيجية في مجالات الطاقة، الزراعة، السدود، والمصارف، بهدف الوصول إلى الاستقرار الاقتصادي المنشود.
إن الابتعاد عن العواصف ليس فنّاً، بل إن فن الحياة الحقيقي هو تعلّم الإبحار وسط العاصفة.