دمشق.. ضغوط سياسية وفرص تاريخية

دمشق.. ضغوط سياسية وفرص تاريخية
دمشق.. ضغوط سياسية وفرص تاريخية

ما نترقبه من نتائج بعد رفع العقوبات الأمريكية والأوروبية هو ما يمنحنا مبرراً حقيقياً للفرح، لما قد يتحقق لشعبنا الذي يعاني الويلات منذ أكثر من عقد من الزمن. ولا مسوّغ لهذا الفرح سوى رغبة السوري في رفع الظلم عنه، والتخلص من المعاناة التي عاشها جرّاء العقوبات الغربية المفروضة عليه وعلى وطنه، والتي كان هو المتضرر الرئيسي منها، في ظل مزاعم الغرب بالدفاع عن الحريات والديمقراطية ومحاربة النظام السابق.

لكن، من المنطق السياسي أن نتمهل كثيرًا قبل أن نتخلى عن مخاوفنا وشكوكنا حول بعض التفاصيل المحيطة برفع هذه العقوبات، وانعكاساتها الحقيقية على السوريين وقضاياهم.

أما بخصوص تصريحات وزير الخارجية الأمريكي روبيو، والسفير الأمريكي السابق فورد، وغيرهم من المسؤولين، فإنها - رغم دلالاتها وما يمكن استنباطه من بين سطورها - لا تُعد أولوية بالنسبة للسوريين في هذه المرحلة.

ولا أنكر بطبيعة الحال أهمية هذه التصريحات، ولا حساسية التوقيت الذي خرجت فيه، لكنني أكتفي بالقول إنها تبريرات موجهة للكونغرس الأمريكي والرأي العام الداخلي، ومحاولات للهيمنة على القرار السياسي في دمشق خلال الأشهر والسنوات المقبلة.

في المقابل، فإن السوريين اليوم أمام قضايا أهم بكثير من الوقوف عند تصريحات أو مواقف قد تعمّق الانقسامات، وتعيق المرحلة الراهنة.

وعندما تبدأ بعض الشخصيات التي تصدرت المشهد السياسي والإعلامي بمغازلة أطراف معادية للشعب السوري – سواء كانت شخصيات أو كيانات أو دولاً – في أحاديث تنم عن سذاجة في فهم طبيعة الموقف السياسي وتعقيداته، فمن الطبيعي أن تستغل فئات أخرى، قدمتها بعض القنوات على أنها نخب معارضة أو ثقافية، تلك الزلات، وتستثمرها عاطفيًا، وتلعب على أوتارها الحساسة.

في ظل الغموض الذي تتحمل مسؤوليته دمشق إلى حد كبير، تغرق منصات التواصل الاجتماعي بخطاب تشويهي يفتقر إلى المسؤولية، وتُستخدم وسائل الإعلام المسيسة، إلى جانب الصحافة الصفراء، لتوظيف قضايا مصيرية كالجولان، والجنوب السوري، والقضية الفلسطينية، توظيفاً عبثيًا. وكأن الأمر بات يُمهد لوصول الرئيس السوري أحمد الشرع إلى تل أبيب دون مقدمات!

للأسف، يشهد المجتمع السوري اليوم انقسامًا واسعًا بين مؤيد يدافع عن السلطة بغباء، ومعارض يهاجمها بتطرف، بينما الحقيقة التي يجب التشجيع عليها تتمثل في العمل الجاد، والعقلانية، وانتهاج سياسة واقعية. وهذا هو النهج الذي ينبغي أن تتبناه السلطة الجديدة، وأن تحظى بدعم جميع القوى والأحزاب الوطنية، والأصوات الصادقة، حتى تتمكن دمشق من الإمساك بمفاتيح عملية السلام، وتكون الرقم الصعب في خرائط الشرق الأوسط الجديد.

ولا بد من الإقرار بوجود بدائل جاهزة وخطط أخرى، تحسبًا لفشل المشاريع التي توافقت عليها القوى الدولية – ولو جزئيًا.

يقول باتريك سيل: "لا يمكن قيادة الشرق الأوسط من دون السيطرة على دمشق".

ويقول هنري كيسنجر: "العرب لا يمكنهم أن يقاتلوا دون مصر، ولا يمكنهم أن يعقدوا سلاماً دون دمشق".

وهذه العبارات، وغيرها، تلخّص أهمية دمشق ودورها التاريخي ومكانتها الجيوسياسية المتزايدة، وهي حقائق يجب أن تُفهم من دون مبالغة في تمجيد السلطة الجديدة، أو تخوين سعيها لحلول مرنة ومستدامة في القضايا المصيرية.

ولا يبدو مقبولاً إقليمياً أو دولياً أن تُشبه المرحلة الجديدة في دمشق ما حدث في القاهرة بعد سقوط مبارك عام 2011، أو أن تكرر تجربة بغداد بعد 2003. ولهذا، اضطرت القوى الدولية إلى التعاطي مع دمشق بأسلوب مختلف – وإن على مضض – رغم تحفظاتها. ومن جانب آخر، فإن ضيق الخيارات المتاحة أمام السلطة السورية دفعها إلى الدخول في مفاوضات، وربما تقديم تنازلات لا تزال محل تكهنات في الكواليس.

ورغم الضغوط السياسية الكبيرة، فقد حصلت دمشق في الشهر الماضي على جرعات دعم كبيرة وتعاون دولي منحاها فرصًا حقيقية للعبور نحو مستقبل أفضل. بل إن تفاصيل دقيقة في المنطقة – كإعلان حزب العمال الكردستاني عن حلّ نفسه، أو تحسّن العلاقات بين دمشق وأنقرة – تشير إلى أن الدور السوري المقبل قد يتجاوز التوقعات. ولا أبالغ إن قلت إن دمشق قد تلعب دور الوسيط في إيجاد حلول للقضية الكردية، ليس فقط في سوريا، بل وربما في تركيا أيضاً، بالنظر إلى تداخل الملفات وتشابكها.

إن المهمة القادمة ليست مستحيلة، لكنها أيضاً ليست سهلة بالنسبة للرئيس الشرع أو دمشق. فالحفاظ على التوازن خلال الأشهر المقبلة سيكون العامل الحاسم في رسم ملامح مستقبل سوريا في مسار السلام، وتحديد ما إذا كانت ستصبح فعلاً رقماً صعباً في معادلة الشرق الأوسط الجديد.

ولا يزال من المبكر الحديث عن الشروط التي قد تضعها دمشق في مفاوضات السلام مع إسرائيل، وإن كان مبدأ "الأرض مقابل السلام" سيبقى في صدارة الشروط.

وفي الختام، من الضروري دعم السلطة الجديدة من خلال مراجعة مساراتها ونقدها بموضوعية، بعيدًا عن المديح المفرط أو الهجوم الفجّ.

وفي الصيف المقبل، يجب على دمشق أن تعمل على استقطاب الأطراف الداخلية، والتواصل معها بالحوار والتفاوض، بما يعزز الاستقرار الداخلي، ويغلق الثغرات أمام أي استغلال خارجي.

ولا بد من الصبر، فهو السبيل الوحيد للنجاة. كما أنه لم يعد مقبولاً تأجيل الحلول العاجلة المرتبطة بالخدمات الأساسية، كملف الرواتب، وأزمة العطش في الحسكة، والوضع الأمني المتردي الذي لا يساعد على جذب الاستثمارات.

ويجب التأكيد على أهمية المشاركة السياسية الفاعلة، ودور الأحزاب والشخصيات الوطنية في الاستحقاقات القادمة، إلى جانب تفعيل دور التكنوقراط، واستقطاب الكفاءات في أسرع وقت.

وأخيراً، فإن نصيحة محب لوطنه تُختتم بالتأكيد على ضرورة التمسك بالنهج العربي، وتوسيع الحاضنة العربية لسوريا، خاصة من خلال تعزيز العلاقات المتينة مع الشريك التاريخي (مصر)، جنباً إلى جنب مع العلاقات المتنامية مع المملكة العربية السعودية.