دمشق والكورد نحو غد أفضل

دمشق والكورد نحو غد أفضل
دمشق والكورد نحو غد أفضل

نجحت أخيراً الحركة الكردية في سوريا ، وبعد سنوات طويلة من المحاولات والتحديات في عقد مؤتمر لوحدة الصف والموقف الكردي ، والذي تمخض عنه تشكيل وفد للتفاوض والحوار مع دمشق بشأن القضية الكردية ، وصياغة رؤية مشتركة تُسهِّل من الحوارات واللقاءات القادمة مع الحكومة السورية أو حتى غيرها من الأطراف كبعض الجهات الدولية ، وتدفع نحو تحقيق الحد الأدنى من مطالب الكورد المشروعة والحل العادل للقضية الكردية الذي سيسهم بشكل كبير في تحقيق المصالحة الوطنية ، والتخفيف من حدة الاحتقان السياسي والاجتماعي ، والتبشير بمستقبل أجمل لجميع السوريين .

مع الأسف خرجت بعض الأصوات الرافضة من الوسط الكردي - رغم قلتها - لتشكيل هذا الوفد ، وأعتقد أنها برفضها هذا لن تُقدِّم أو تُؤخِّر شيئاً ، وقد بات معروفاً لدى المهتمين سبب هذا الرفض الذي ينطلق من مصالح شخصية وحزبية ضيقة دون اكتراث بالقضية الكردية ، ولن أقف عندها لأنها أصوات قليلة وغير مؤثرة ، وأكتفي بتوجيه عتب كبير على هذه المواقف والبيانات غير المسؤولة .

إن نجاح الوفد الكردي في مفاوضاته مع دمشق سيشكل مؤشراً إيجابياً للمرحلة المقبلة في سوريا ، ومع تزايد عدد الملفات الداخلية التي انقسم حولها الشارع السوري أرى أن نجاح هذا الحوار والتوصل لاتفاق بين الوفد الكردي والحكومة السورية يُرجِّح كفة التفاؤل بمستقبل تُحلُّ فيه جميع القضايا العالقة ، ولدي تفاؤل كبير ومنطقي في الوقت ذاته بإمكانية الوصول إلى نتائج مرضية للطرفين ، ولا بُدَّ من توضيح بعض مبررات هذا التفاؤل المشروع بغدٍ أفضل.

 من أبرز مبررات التفاؤل ما قرأناه بموضوعية بين السطور خلال الأشهر الماضية من مؤشرات تدل على عزم السلطة الجديدة على رفع الظلم التاريخي الذي لحق بالكرد على مدى عقود ، وقد تجلى ذلك في التصريحات والإشارات الإيجابية الصادرة عن عدد من المسؤولين ، والتي عبرت عن توجه جاد نحو حل القضية الكردية .

كما أن موقف الرئيس السوري أحمد الشرع الذي تداولته بعض الأوساط بوصفه متعاطفاً مع الكرد ، ومهتماً بشكل كبير بهذا الحوار يُعزِّز الأمل في التوصل إلى حل منصف وشامل يُنهي معاناة استمرت طويلاً .

انطلاقاً من خبرة ومعرفة عميقة بالقضية الكردية ، ودراية واطلاع على تاريخ الحركة الكردية في سوريا منذ تأسيسها ، ومروراً بأهم محطاتها وتطوراتها ، ووصولاً للمؤتمر الأخير وتشكيل الوفد وما سبقهما من محاولات لإيجاد هيئة سياسية ومرجعية كردية وتوحيد الصف والموقف مثل اتفاقات هولير ودهوك وغيرها أستطيع القول - دون مبالغة - إن القضية الكردية تمر اليوم بأهم مرحلة وأدق مفصل تاريخي في مسارها السياسي .

إن العبء الملقى على عاتق الوفد الكردي ثقيل للغاية بسبب الثقة التي يضعها الكرد أولاً ، والحركة الكردية والمؤتمر الأخير ثانياً في هذا الوفد وأعضائه ، ومما يدفعني للتفاؤل مرة أخرى هو ثقتي الشخصية بعدد من أعضاء الوفد ، ومعرفتي بما يملكونه من حنكة ومرونة وواقعية سياسية وسمعة جيدة في الوسط الكردي ، وهذا فضلاً عن رصيدهم الوطني والاجتماعي الجيد في الجزيرة السورية ، وهو رصيد مشهود لهم به من قبل نسبة كبيرة من مختلف المكونات .

بعيداً عن شخصيات الوفد الكردي وموقف دمشق فإن ما يدفعني للتفاؤل بنجاح هذه المفاوضات هو قراءتي السياسية للمشهد العام ، وهي قراءة تتجاوز مراقبة بعض الأطراف الإقليمية عن كثب لما يجري ، وتتعمق فيما هو أبعد من اهتمام بعض الدول العربية والغربية بهذا الحوار .

ما أراه خلف الكواليس يشير إلى وجود ضغوط ومساع حثيثة ، وعلاقات ومصالح دولية متشابكة تدفع جميعها في اتجاه واحد ، وهو إنجاح هذه المفاوضات لما لها من أهمية على المستوى الإقليمي وكذلك الدولي ، ولما لها من أثر في مستقبل الاستقرار في سوريا والمنطقة .

ختاماً ، أكرر ما قرأناه ودرسناه وأقول بأن التفاوض فن ، ولا أعتقد بأن الوفد بحاجة للتذكير بالأمور البديهية أو الرئيسية في فنون التفاوض ، ولكن أختصر كل ذلك بضرورة تكثيف المشاورات قبل التوجه لدمشق ، والأخذ بالنصائح وقبول الانتقادات التي وجهتها وتوجهها دائماً النخب الثقافية والسياسية المستقلة والمتعاطفة مع عدالة القضية الكردية .