مصطفى عبد الوهاب العيسى
كاتب وباحث
جيفارا وكورد سوريا
بعد إرهاصات طويلة يطول الحديث عنها في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، وبعد محاولات متعددة، تمكن الكورد في سوريا في الرابع عشر من حزيران عام 1957 من تأسيس أول حزب سياسي كوردي، وهو ما يعد انطلاقة الحركة الكوردية المنظمة في سوريا. ويمكنني القول إن هذا الحزب قد شكل القاعدة التي انبثقت منها لاحقاً معظم الأحزاب والتيارات الكوردية في سوريا. وعلى الرغم من أن قلة قليلة من هذه الأحزاب يحق لها الاحتفال بالذكرى الثامنة والستين لتأسيس الحزب الأم، إلا أننا لا نستغرب ولا نستهجن مشاركة معظم الأحزاب الكوردية في إحياء هذا اليوم، لأن هذا التاريخ أصبح رمزاً لتاريخ الحركة الكوردية في سوريا بمختلف توجهاتها.
لا شك أن الحديث عن الحركة الكوردية في سوريا وما شهدته من انشقاقات وتكتلات وتحالفات يطول ويحتاج إلى مساحة واسعة من البحث، ولست أبالغ إن قلت إن تقديم صورة واضحة وشاملة لتاريخ هذه الحركة أمام القارئ يتطلب عشرات المقالات المتخصصة، والتحليلات المنطقية لكل ما طرأ عليها خلال هذه العقود.
كان من أبرز ما عانت منه الحركة الكوردية في سوريا، سواء في مرحلة المخاض أو مرحلة التأسيس أو خلال سنواتها الأولى، أنها وُلدت في ذروة زمن القومية العربية من جهة، وفي ظل مدّ شيوعي قوي من جهة أخرى استقطب حينها أعداداً كبيرة من المثقفين والمتنورين الكرد، وهو ما سنقف عنده بإيجاز.
لا يزال للموروث الشيوعي حتى يومنا هذا أثر ملموس في الأدب والثقافة لدى شرائح ومجموعات واسعة من شعوب المنطقة، ومن بينهم الكورد. وإذا عدنا بالزمن إلى الوراء، سنجد أن هذا التأثير الذي ما زلنا نلمس آثاره في بعض المبادئ والأخلاقيات، كان في السابق أضعافاً مضاعفة، ولم يقتصر على المجالين الفكري والثقافي، بل تجاوزهما إلى الحقل السياسي.
كل ما سبق أدى إلى التحاق أعداد كبيرة من الكورد بالأحزاب الشيوعية، وتبنيهم للأفكار الشيوعية السياسية، والنضال تحت رايتها، لما اعتادت الشيوعية أن ترفعه من شعارات جذابة، وما تقيمه من ندوات عن الحرية والمساواة والمواطنة والتقدمية و... إلخ.
بناءً على هذا الواقع، وجد أصحاب الفكر القومي الكوردي، وفي مقدمتهم المؤسسون الأوائل للحركة الكوردية، أنفسهم أمام مهمة شاقة، وتطلبت منهم جهوداً جبارة لإقناع الكورد بالعدول عن الفكر الشيوعي والانخراط في صفوف الأحزاب الكوردية. ولعل كتاب "الرد على الكوسموبوليتية" لأحد أهم ساسة الكورد الإيرانيين، عبد الرحمن ذبيحي (عولما)، والمقيم في دمشق حينها، يُعد من أبرز الكتابات التي واجهت الفكر الشيوعي آنذاك، وعبّر عن موقف حاد ونقد واضح تجاهه.
عانى الشيوعيون في سوريا – وإن كان ذلك قد حدث على فترات متفاوتة – من الانقسامات، تماماً كما عانت الأحزاب الكوردية من الانشقاقات الكثيرة. وعلى امتداد مراحل متعددة في العصر الحديث لسوريا، كان للكورد من جهة، والشيوعيين من جهة أخرى، دور بارز في الساحة الوطنية السورية، كما حظوا بمكانة معتبرة في صفوف المعارضة السورية من حين إلى آخر. وامتدت علاقات الشيوعيين خارج حدود البلاد لتشمل عدداً لا بأس به من الأحزاب والمنظمات في دول المنطقة، وفي الوقت ذاته، كان للأحزاب الكوردية السورية أيضاً حضور فعّال ودور محوري في العديد من المؤتمرات واللقاءات ذات الطابع الكوردستاني. وتعد هذه الجوانب وغيرها، مما يصعب حصره، وجوه تشابه وقواسم مشتركة بين الطرفين، رغم الاختلافات والتباين الكبير في الرؤى والتوجهات والأهداف بين هذه الأحزاب.
تطورت الأحزاب الكوردية في سوريا تدريجياً، وأصبحت أكثر مرونة مع مرور السنوات، ورغم تبنّي العديد منها واقعية سياسية تتماشى مع متغيرات المرحلة، إلا أن كثيراً من هذه الأحزاب لا يزال يعبر عن التزامه بنهجه الفكري المستند إلى الماركسية اللينينية، التي كانت ولا تزال الأقرب في روحها إلى فكر جيفارا ونهجه الثوري. ولا يخفى على أحد اليوم ما تمثله شخصية تشي جيفارا من رمزية عالمية في الأوساط الثورية، وتحول صورته إلى أيقونة نضالية جعلت منها واحدة من أكثر الصور مبيعاً وانتشاراً حول العالم لعقود. بل أذهب لما هو أبعد، ودون مبالغة، أقول: إن جيفارا تحول لفترة طويلة إلى علامة تجارية استثمرت فيها العديد من الأوساط السياسية، واستفادت من حضورها وتأثيرها القوي.
اللافت في هذا السياق أن الرابع عشر من حزيران هو اليوم الذي وُلد فيه جيفارا، وهو كذلك اليوم الذي تأسست فيه الحركة الكوردية في سوريا. ومن يُعنى بلغة الأرقام، ويتأمل دلالاتها، ويتابع في الوقت نفسه تطورات السياسة عموماً، وتاريخ وتفاصيل السياسات الكوردية أو الشيوعية على وجه الخصوص، فإنه لا بد أن يستوقفه هذا التزامن اللافت بين ميلاد جيفارا وتأسيس الحركة الكوردية في سوريا.
عندما لاحظتُ هذه المصادفة لأول مرة، اعتقدت أن هناك رابطاً خفياً أو دلالة ما، لكنني أدركت لاحقاً، وتأكدت من خلال نقاشات مع قيادات شيوعية وساسة كورد من الرعيل الأول والثاني للحركة الكوردية، أن الأمر لا يعدو كونه مصادفة غريبة، لكنها جميلة وملفتة بالنسبة لي على الأقل.
في الختام، لا يمكن للمرء إلا أن ينظر بإعجاب وتعاطف إلى شخصية كاريزمية مثل جيفارا، كما لا يمكن إلا أن يكنّ الاحترام والتقدير لما يقارب سبعة عقود من النضال السياسي الذي خاضته الحركة الكوردية في سوريا. ومن هذا المنطلق، أجدني أتقدم بالتهنئة في هذا اليوم لكل من يحتفل بميلاد جيفارا، أو يحتفل بذكرى تأسيس الحركة الكوردية في سوريا.