إیران و خریف حکم النظام

إیران و خریف حکم النظام
إیران و خریف حکم النظام

في مواجهة غیر مسبوقة بين إیران و إسرائیل منذ ستة أیام، إذ تشنّ إسرائيل هجوماً واسعاً على إيران، بینما ترد إیران عليه عبر ضربات صاروخية، یمکن أن نرسم عدة سیناریوهات محتملة، لکل منها ظروف موضوعیة، لکننا لا نرید أن ندخل هنا في تفاصیل تلك السیناریوهات، لأنها تتوقف علی الاتصالات الدولية والإقليمية المعنية و على نيات وخطط کل من الطرفين المتخاصمين.

في السابق أنفق النظام الإیراني الملیارات من الدولارات من عائداته النفظية في بناء و نسج شبكة واسعة من الوكلاء الإقليميين (الحوثيين، حزب الله، فصائل في العراق وسوريا وقطاع غزة)، لکن حين جاءت لحظة الحقيقة، أي الصدام المباشر مع إسرائيل، بدا النظام الإیراني وكأنه وحيد، وهذه تعتبر واحدة من أکبر المفارقات الاستراتيجية في سياسة النظام الإيراني. 

فهذه الحرب أظهرت أن النفوذ بالوكالة لا يساوي القوة عند المواجهة المباشرة، أي حين تكون إيران نفسها تحت النار، هنا يظهر الفرق بين التحكم عن بعد و"الحرب بالتوقيع"، فالحرب الحقيقية تتطلب تحالفات متماسكة واستعداداً مشتركاً للتضحية. 

أما الجیش الإسرائیلي فأنه أطلق و منذ أیام تحذيراً مشابهاً للتحذيرات التي أطلقت من تل أبیب في لبنان و غزة، یدعو من خلاله المدنيين الإيرانيين إلى الابتعاد من منشآت تصنيع الأسلحة وما يرتبط بها، لأنها باتت أهدافاً محتملة لهجماته المقبلة، کل تلك التحذيرات تبوح  بأن الحرب يمكن أن تمتد لأجل غير محدد أو تتوسع لرقعة أو جغرافية أكبر. 

الهدف الاسرائیلي المعلن هو "زوال التهديدات الإيرانية النووية والباليستية"، لکن إسرائيل تسعى إلى حرب صفرية بين البلدين تستدعي تدخلاً غربيّاً وتصعيداً لأهداف أخری، منها "تغيير الشرق الأوسط"، أي إعادة بنائه أو صياغة نظام إقليمي جديد يحقق أمنه، أما طهران فأنها تصر على أن ردها سيتواصل حتى "تتراجع تل أبيب عن عدوانها"، وعلیە لایمکن أن ننتظر توقف النيران بصورة سريعة. بمعنی آخر إن انعدام اليقين هو جزء أساسي من هذه الحرب، لأن أهدافها، كما هو الشأن مع غزة، لا توضع في أولها ولا تعلن كلها رسمياً، بل تأتي في آخرها على سبيل التدحرج والتطور الميداني.

لا شك أن انتصار إسرائيل سيغريها بالعودة إقليمیأ الی فرض سياسة إضعاف بقية دول الإقليم مثل تركيا وباكستان وسواهما، وقد عبَّرت هاتان الدولتان بوجه خاص عن أن الحرب الإسرائيلية على طهران هي تهديد لمستقبل أمنهما. 

المعروف إیرانیأ بأن المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، البالغ من العمر ٨٦ عاما، تجاوز خلال العقود الثلاثة الأخيرة سلسلة من التحديات، إلا أن الضربات الإسرائيلية غير المسبوقة قد تكون أكثر هذه الأزمات خطورة على استمرار الجمهورية الإسلامية وعلى سلامته الشخصية. لقد قاد خامنئي إیران عبر عقوبات شديدة وتوتر شبه متواصل مع العالم، كما واجه احتجاجات قوبلت بقمع شديد، وكان آخرها الحراك "ژن، ژیان، ئازادی" أو المرأة، الحیاة، الحرية خلال عامي ٢٠٢٢ و ٢٠٢٣. 

ما نلمسه الیوم هو أن المرشد الأعلی لم یعد یمسك بقسم كبير من القيادة الیومیة للنظام، هناك فصائل مختلفة تتنافس من أجل مستقبل النظام، الذي لم یتمکن من مواجهة قدرة الاستخبارات الإسرائيلية على تتبع القادة الإيرانيين وقتلهم. 

قد تکون هناك خطة لتغيير النظام سواء بتقديم دعم أو شبه دعم لانقلاب داخل النظام، أو بمواصلة الاغتيالات على أعلى المستويات على أمل أن يقود ذلك إلى ما يشبه تغييراً في النظام. 

لکن المعضلة الکبيرة التي یواجهه المرشد الأعلی اليوم، هي إفتقاره الی البصيرة الجسدية والمعرفية لقيادة إيران في حرب تكنولوجية متطورة، أما ردوده الضعیفة علی إسرائیل فسوف یمعن في تقويض سلطته و یعرض نظامه لمزيد من الخطر، فکیف الحال إذا شاركت الولایات المتحدة الأمریکية بشکل مباشر في هذه الحرب؟