الوفد الكوردي وبداية المهمة الشاقة

الوفد الكوردي وبداية المهمة الشاقة
الوفد الكوردي وبداية المهمة الشاقة

وا أسفاه على الضياع الذي نعيشه، وعلى واقع إعلامي بات يستضيف من لا دراية لهم، ليتصدروا الشاشات ويتناولوا الشأن السياسي وتطورات المنطقة وأوضاع القضية الكوردية، وهم لا يُفرّقون بين الهياكل والمجالس والمنظمات. لا يزال البعض يخلط حتى اللحظة بين "الإدارة الذاتية"، و"قوات سوريا الديمقراطية (قسد)"، و"مجلس سوريا الديمقراطية (مسد)"، و"الوفد الكوردي" الذي تشكل مؤخرًا.

في البداية، لا بُدَّ أن يُدرك كل من يرغب في الخوض والنقاش في القضية الكوردية – سواء كان مناصرًا لها أو معاديًا – أن وجود نفوذ لحزب كوردي ضمن مؤسسات الإدارة الذاتية، أو تولي شخصية كوردية مثل السيد مظلوم عبدي قيادة "قسد"، لا يعني بأي حال من الأحوال أنهم مفوَّضون بطرح القضية الكوردية أو التفاوض باسم عموم الكورد.

وأيُّ سلوك إيجابي صدر عن هذه الجهات في السنوات الماضية وساهم في تعزيز عدالة القضية، فإنه يُقدَّر ويُحترم، أما الممارسات السلبية والخاطئة فهي تضر فقط بمصدرها ولا تمس جوهر قضيةٍ عادلة يتبناها ملايين الأحرار حول العالم.

لقد أضرّ اختلاف الخطاب السياسي بين الجهات الكوردية، والانقسامات التي شهدتها الحركة الكوردية عبر العقود، بمسار القضية الكوردية بشكل كبير، وكان لها أثر بالغ في تعطيل أي تقدم فعلي لها.

ومن وجهة نظري، فإن من أبرز ما تحقق للقضية الكوردية مؤخرًا هو تشكيل "الوفد الكوردي"، الذي ينبغي على جميع القوى الوطنية السورية أن تُدرك أنه الممثل الشرعي والوحيد للتفاوض والحوار بشأن هذه القضية.

وقد أثارت تصريحات السفير الأمريكي توماس باراك جدلًا واسعًا، وتعرض بسببها لانتقادات من أنصار القضية الكوردية، في مقابل تأييد من خصومها. وهذا التباين جاء نتيجة قراءة خاطئة لتصريحاته من جهة، ومن جهة أخرى بسبب افتراضٍ مسبق لدى البعض بأن "قسد" هي الحاملة الوحيدة لراية القضية الكوردية.

وهنا أختلف تمامًا مع هذا التصور، إذ أرى أن حل "قسد" ودمجها في وزارة الدفاع – بصيغة يتم التوافق عليها – إلى جانب التوصل إلى تفاهمات بشأن الإدارة الذاتية والملفات العالقة، سواء جاءت النتيجة مُرضية للجميع أم لا، فإنها تحمل في طياتها بوادر إيجابية لمسار حل القضية الكوردية.

أولى هذه النتائج تتمثل في تحقيق قدر من الاستقرار السياسي والأمني، وهو أمر ملحّ في هذه المرحلة الدقيقة. أما النتيجة الأهم – من وجهة نظري – فهي تمكين "الوفد الكوردي" من الاضطلاع بمسؤوليته التاريخية، والانطلاق بجدية نحو أداء مهمته الشاقة بعقلية ناضجة وروح وطنية.

إن استثمار "الوفد الكوردي" لتمثيله الرسمي والشرعي يجب أن يكون استثمارًا إيجابيًا يستند إلى حكمة سياسية وواقعية، وقد أثبت بعض أعضائه امتلاكهم لمقومات ذلك، من خلال قدرتهم على الموازنة بين البعدين الوطني والقومي عند طرح القضية الكوردية.

وإذ نذكّر بأن "الذكرى تنفع المؤمنين"، فإنني أتمنى أن يتقبل "الوفد الكوردي" بعض الرسائل والنصائح التي أوردها في هذا المقال، لعلها تسهم في دعم مسار حل القضية الكوردية الذي نتابعه نحن السوريين باهتمام بالغ.

ومن المثير للدهشة أن تستمر دمشق في تجاهل "الوفد الكوردي"، لكن وحتى تبدأ المفاوضات – التي تظل مرهونة باستعداد دمشق للحوار – فإن على الوفد أن يسعى لبناء تحالفات واسعة، حتى وإن كانت رمزية، مع أطراف قد لا تُعتبر مؤثرة في الوقت الراهن.

كما ينبغي تكثيف الندوات والظهور الإعلامي المنظم لتعريف الرأي العام بعدالة القضية الكوردية، وبيان ما قد يترتب على رفض التفاوض من نتائج باهظة التكلفة على جميع السوريين، بما فيهم السلطة في دمشق.

يُفترض أن يكون تواصل "الوفد الكوردي" مع مختلف الأطراف مدروسًا بعناية، قائمًا على الذكاء السياسي والمرونة، مع الاستعداد لتقديم تنازلات في ما هو أقل أهمية، إذا كان ذلك سيؤدي إلى مكاسب حقيقية في قضايا جوهرية، مثل الضمانات الدستورية.

وقبل كل شيء، لا بد من الحفاظ على صورة وسمعة "الوفد الكوردي"، ككيان وأفراد، بالشكل الذي يعزز ثقة القوى الوطنية وقبول الشارع السوري، ويدعم ما يُطرح باسم القضية الكوردية من مطالب مشروعة وعادلة.

بداية المهمة الشاقة للوفد الكوردي أصبحت وشيكة، والنجاح في الجولة الأولى من المفاوضات سيكون المؤشر الأهم لمستقبل الحوار حول القضية الكوردية، بل ومستقبل المرحلة السورية القادمة برمتها.