آزار حسو
كاتب
مشكلة كوردستان وبغداد
ألوان الفاشية
في عام 2019، وعلى أحد أرصفة بغداد، وقفت شابة عربية أنيقة المظهر أمام الكاميرات مطالبة بقطع موازنة إقليم كوردستان. وعندما سُئلت عن السبب، أجابت قائلة: "لماذا تبدو مدن كوردستان عامرة ونظيفة، بينما بغداد وجنوب العراق يعانيان من الخراب؟"
كانت تلك المرأة، التي قدّمت نفسها كخريجة جامعية لا تجد عملاً، واحدة من مئات المحتجين العراقيين الذين ملأوا شوارع العاصمة ضمن تظاهرات تشرين واستمرت التظاهرات عشرات الأيام. خرجوا ضد الفساد و"مافيا السلطة" في بغداد، لكن ما يثير الاستغراب هو أن أحد شعاراتهم كان العداء لإقليم كوردستان.
ما بدا لوهلة وكأنه حراك إصلاحي، سرعان ما كشف عن جانب مظلم من الحقد على أي تجربة ناجحة خارج إطار "الدولة المركزية". يبدو أن لدى بعض العرب حساسية مفرطة تجاه أي نموذج كوردي ناجح، حتى لو كان ذلك في توفير كهرباء أو نظافة أو فرص عمل، أو حتى مجرد هواء نقي.
في العام ذاته، قُتل قائد عسكري عراقي بارز في قلب بغداد، أمام أنظار جميع القوات الرسمية والميليشيات. أعلنت الولايات المتحدة مسؤوليتها عن العملية. لم تحرك الحكومة ساكناً. لكن بعد فترة، وكأنهم قرروا "الرد"، أقدموا على حرق مقر الحزب الديمقراطي الكوردستاني في بغداد. الهتافات كانت "ثأراً"، وكأنهم أحرقوا مقر البنتاغون!
عندما اجتاح تنظيم داعش المناطق السنية في العراق عام 2014، كان ذلك نتيجة مباشرة لسنوات من الإقصاء والتهميش من قبل السلطة الشيعية في بغداد. خلال أشهر، سيطر التنظيم على محافظات بأكملها، لكن المفارقة أن بغداد لم تقطع موازنات تلك المناطق، بل استمرت بإرسالها بانتظام، رغم سيطرة التنظيم الإرهابي عليها.
في المقابل، حين خاض الكورد حرباً شرسة ضد داعش، كانت مكافأتهم من بغداد قطع موازنة الإقليم بالكامل. لم يُنظر إليهم كمكون أساسي في الدفاع عن العراق، بل كطرف "يجب معاقبته".
عبر التاريخ، تعاملت مختلف الأنظمة في بغداد- الملكية، والاشتراكیە والبعثية، والفيدرالية بنهج واحد تجاه الكورد: الفاشية، بألوان مختلفة. لم تكن المشكلة فقط في من يحكم بغداد، بل في العقلية التي تحكمها. العقلية التي ترى في أي تقدم كوردي تهديداً، وفي أي فشل عربي مظلومية يجب تحميلها للكورد.
أنصار الفاشية
على مدى السنوات الماضية، واصلت بغداد افتعال أزمات ومشاكل متعددة تجاه الشعب الكوردي. وفي هذا السياق، يبرز بعض الأشخاص الناطقين بالكوردية الذين، في كل ملف أو قضية، لا يترددون في دعم بغداد بمواقفهم المتباينة.
من هم هؤلاء، ولماذا يصرّون باستمرار على السعي لتقييد حريات الكورد وتقليص سلطتهم؟ في النزاعات الأخيرة بين الكورد وبغداد، ظهرت وجوه معروفة تنتمي إلى بعض الأحزاب أو التيارات السياسية، وبرزت مواقفها بوضوح. بعضهم وصل إلى بغداد مستندًا إلى أصوات شعب كوردستان وأصبح عضوًا في البرلمان العراقي، لكنه يقف صراحةً ضد حقوق ناخبيه، ولم يجرؤ يومًا على انتقاد استبداد بغداد.
هنا نقطتان جديرتان بالاهتمام:
أولًا، إن معاداة الكورد ودعم بغداد يُعدّان امتدادًا لعقلية راسخة بدأت رسميًا منذ ثورة أيلول في ستينيات القرن الماضي، وقد انخرط فيها هؤلاء الأشخاص طوعًا أو عادوا إليها، لأن لديهم "قيمة" معينة في نظر الفاشيين.
ثانيًا، أن هؤلاء الأنصار وصلوا إلى مواقع سياسية من خلال أحزاب أو حركات كوردستانية، ويقدّمون أنفسهم كممثلين عن شعب كوردستان، في وقت تنهار فيه تلك الحركات من الداخل، دون أن يبذلوا أي جهد حقيقي لإصلاحها أو إعادة تنظيمها.
يكاد لا يوجد كوردي إلا ويحب هذا الوطن ويسعى إلى تطوير المجتمع الكوردي. ولهذا، من الضروري أن يكون لكل فرد وعي ورأي واضح تجاه الفاشية وأنصارها.