السويداء تدق ناقوس الخطر

السويداء تدق ناقوس الخطر
السويداء تدق ناقوس الخطر

كان عاجزًا كل من يبرر إجرام نظام بشار الأسد عن إيجاد مخرجٍ أو مهربٍ له أمام وسائل الإعلام، حين حملت السويداء راية ثورتنا الحقيقية السلمية؛ إذ إنه يستحيل اتهام السويداء بتهم الإرهاب أو الإخوان أو الانفصاليين. وكم كان سخيفًا تملق الكثير من أطراف المعارضة السورية حينها للسويداء وأهلها، بغية جذبهم إلى الاصطفافات الحقيرة، والحصول على نصيبٍ أكبر من الدعم المادي واللوجستي، على اعتبار أن التمويل كان يُقسَّم وفقًا للقاعدة الموجودة على الأرض.

كان وسيبقى للسويداء نصيبٌ عظيمٌ من اسمها في قلوب السوريين جميعًا، وحبٌّ لا يدانيه حبٌّ لأسوار الجنوب المُهدَّد بأفكار خبيثة وأدوات رخيصة.

ما جرى ويجري من انتهاكات بحق أهلنا – أهل الكرم والكرامة – أكبر بكثير من تصرفات وتجاوزات حصلت، كما سيصدر عن الحكومة السورية وغيرها من الأطراف.

ما حصل أبعد من تحليلات المراقبين للوضع، والمختصين الذين يرون في ذلك محاولات لإثارة فتنة ونعرات طائفية؛ فالفتنة واقعة قبل سقوط النظام السابق، وأكثر ما يُتداول اليوم: نجا بشار الأسد، وهلكت سوريا.

فظائع الأعمال التي جرت من قتلٍ وتنكيلٍ وإهانةٍ وسرقةٍ في السويداء نستنكرها بكل تأكيد، وكل كلماتنا عاجزةٌ عن وصف الحزن والقهر الذي نال منا، ونحن نتابع ونشاهد الهمجية والعدوانية في هذه السلوكيات التي قامت بها مجموعات من الجهلة والسفلة.

وبعد وقوفنا عاجزين عن تقديم أي شيء يخفف عن إخوتنا في السويداء سوى التضامن القلبي والدعوات، وبينما نترك لأصدقاء علم النفس تحليل هذه السلوكيات الغريبة، وهذا العنف، وهذه الأحقاد، لا بدّ أن نقف بشيءٍ من الواقعية أمام ما يُرسم لهذه المنطقة ولسوريا بشكلٍ عام.

مصالح أصحاب الثقل من المذاهب والأديان والقوميات والطوائف متضاربة بشكل كبير، ومتداخلة جغرافيًا، وحتى الآن – من وجهة نظري – لا يزال التعديل جاريًا على الخرائط التي تُرسم وتُمحى بشكل دوري.

"سايكس بيكو" الجديدة ما زالت بحاجة إلى الدراسات الميدانية والتجارب "المخبرية" – إن صح التعبير – ولا أعتقد أن هناك جدية في البدء بها بشكل واضح ورسمي خلال عامي 2025 و2026، أما البدء بها بشكل سري، فهو جارٍ منذ عقود، ولا جديد في ذلك.

حقيقة التغيير الديموغرافي الحاصل والمستمر شيء، والحديث عنه من قبل سلطات دول المنطقة والمسؤولين شيء آخر، والمطلوب في الوقت الحالي هو أن يعتاد السواد الأعظم من شعوب المنطقة على سماع هذه المصطلحات في وسائل الإعلام، بشكل يكون فيه الرفض – إن وُجد – للتغيير القادم أقل حدة.

ليس تقليلًا من جراحات أهلنا في السويداء، ولكن المشكلة الحقيقية أعظم وأكبر عند رؤية الجرح الكبير الذي يضرب سوريا وشعوبها الضاربة في جذور التاريخ، لتتمزق وتسقط أخلاقيًا بانقسامات وفجوات بين مكوناتها الرئيسية أصبح من الصعب جدًا ردمها.

"سايكس بيكو" الجديدة أكثر ذكاءً، وترسم الخرائط بعناية وبدماء أهل المنطقة، حتى يصبح التقسيم مطلبًا للجميع، بعد أن تُقسَّم الشعوب وفق انتماءات بعيدة عن الوطن الذي يقتلهم ويحرق الإنسان بداخلهم.

ختامًا، أرجو أن أكون مخطئًا، وأتمنى أن تسمع دمشق ناقوس الخطر الذي تدقه السويداء، وأن تسعى لرأب الصدع الحاصل، وأن تستمع وتُناقش جميع المطالب والقضايا التي يطرحها السوريون بمنطق الحل، وأن تبتعد عن الحلول العسكرية والأمنية التي انتهجها النظام السابق، وأن تُسرع بحوار وطني صادق وشفاف، وبعيد عن التخوين، قبل أن تحترق سوريا كلها.