خطاب الكراهية ( سوريا أنموذجاً )

خطاب الكراهية ( سوريا أنموذجاً )
خطاب الكراهية ( سوريا أنموذجاً )

تناولت العديد من الكتب والدراسات العلمية موضوع الكراهية والتحريض - لا سيما خطاب الكراهية - من جوانب متعددة ، حيث سعت كل دراسة إلى الوقوف على الأسباب والدوافع التي أُعدت من أجلها. 

بعض الدراسات ركزت على الأسباب السياسية التي تهدف إلى استمالة أصوات انتخابية يسهل التأثير فيها ، أو إلى تشتيت انتباه الرأي العام عن قضايا مصيرية وهامة ، كما سلطت دراسات أخرى الضوء على الأسباب الاجتماعية ، وفي مقدمتها الصراعات المتراكمة التي لم تُحل بشكل عادل وجذري ، وكذلك آثار التنشئة والتربية غير السليمة التي تزرع رفض الآخر ، وتُبرر التحريض والعنف ، والقتل أحياناً .

أما على المستوى النفسي فقد أشارت بعض الأبحاث إلى ما يمكن تسميته "داء الكراهية" المتجذر في نفوس بعض الأفراد كمرض واضطرابات نفسية تحتاج جهوداً جبارة لمعالجتها . في الحالة السورية - التي تشهد اليوم إحدى أسوأ موجات الكراهية في القرن الحادي والعشرين - يمكن القول إن جميع الأسباب السابقة تجتمع ، ومضافاً إليها عوامل أخرى كالجهل والتجهيل المتعمد والممنهج ، والذي مورس على فئات واسعة من المجتمع ، وإضافة إلى تدهور مستوى التعليم ونقص الوعي خلال العقد ونصف الماضيين ، والأخطر من ذلك الانغلاق الثقافي وغياب الانفتاح الفكري لدى الفئات التي تُعد "متعلمة" بالمعايير التقليدية للدراسة والتحصيل العلمي .

على مدى العقود الماضية ، عاش السوريون جنباً إلى جنب ، عرباً وكورداً ، مسلمين ومسيحيين ، سنة وعلويين ، دروزاً وبدواً وغيرهم في نسيج اجتماعي متنوع ، وكما هو الحال في جميع المجتمعات والدول كان من الطبيعي أن تنشأ خلافات ، وتحدث مشكلات ، بل وجرائم أحياناً بين المواطنين ، فسوريا لم تكن ولن تكون دولة فاضلة مثالية ، لكن ما كان يحدث بقي - في المجمل - ضمن منطق الحياة المجتمعية ، ولم يكن مقبولاً – لا قانوناً ولا عرفاً – أن يقف المجتمع إلى جانب المعتدي ضد صاحب الحق ، بل على العكس كانت الكلمة الفصل - مجتمعياً على الأقل ضمن منظومة العادات والتقاليد السورية - دائماً في صف المظلوم بغض النظر عن لونه أو قوميته أو طائفته أو دينه ، ولا مجال هنا لسرد آلاف الحوادث الشهيرة في التاريخ المجتمعي السوري التي تُظهر بوضوح وقوف فئات المجتمع - على اختلاف انتماءاتها - إلى جانب صاحب الحق .

خلال السنوات الأخيرة ، ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي منحت المنبر للجميع دون رقيب أو رادع ، تصاعدت حملات التجييش الطائفي ، وظهرت هجمات وقحة تستهدف كل من يرفض الانزلاق إلى مستنقع الفتنة والدعوة إلى الاقتتال ، وبمرور الوقت أخذت هذه الحملات والخطابات التي تحض على الكراهية والعنف والقتل والتنكيل تزداد اتساعاً وحدَّة ، حتى انجرفت في تيارها - مع الأسف الشديد - بعض النخب الإعلامية والثقافية من معظم المكونات .

لم تبلغ موجات خطاب الكراهية في سوريا هذا الحجم من قبل ، ولم تنخرط فيها شرائح واسعة من الشعب كما حدث مؤخراً ، وخاصة بعد أن بدأ كثير من السوريين في الخارج - لا سيما في أوروبا - يدركون العواقب القانونية والشخصية لتحريضهم وتضليلهم من الدول التي يقيمون فيها ، ولكن ومع ذلك سرعان ما عادت بعض الجهات لتأجيج خطاب الكراهية من جديد - بوتيرة غير مسبوقة - وارتبط ذلك بشكل واضح بالأحداث الجارية في مدينة السويداء ، وهكذا حتى انفجر هذا الخطاب من بعض المنابر التي تتخفى وراء عباءات دينية أو مذهبية أو قومية أو قبلية ، وبلغ حدَّاً غير معهود من الشماتة والدعوات الصريحة إلى قتل حتى النساء والأطفال والشيوخ ، وهم الفئات التي كانت الأعراف والتقاليد السورية – بتنوعها – تُجمع على توقيرهم واحترامهم والنأي بهم عن الصراعات والنزاعات .

لا أدري ولا أعلم - وأقولها بألم بالغ - إن كان هناك قاع أعمق من الذي وصلت إليه سوريا اليوم .

لا أدري إن كان بقي شيء بعد هذا الانحدار الأخلاقي حين نرى من يتباهى بغدره بطفلٍ سُنِّيٍ ، أو يتفاخر بقتل مدنيٍّ علويٍ ، أو يحرِّض على سفك دم شيخ دُرزيٍّ ، أو يشمت بمقتلِ امرأةٍ كرديَّة ، أو يروِّج ضد رجل دين مسيحي ، أو أو .. الخ من أبناء هذا البلد الحزين .

ما الذي تبقى من إنسانية السوريين حين يصبح القتل في مهد الحضارات والرسالات السماوية مدعاة للفخر ، وحين يصبح الغدر بطولة ، وتكون الشماتة شجاعة ؟

ما الذي يمكن أن يُقال بعد أن أصبح التحريض على دماء السوريين مادة تسويقية ، ومنصة تتباهى بعدد المتابعين لها في زمنٍ فقد فيه جزء لا يُستهان به من السوريين آخر ما تبقى لديهم من ضمير وأخلاق؟!

تقف سوريا اليوم ، مهما بلغت دقة التحليلات ومهما تنوعت القراءات السياسية لتوافقات القوى الدولية ، والأحداث الإقليمية ، والمشاريع الاقتصادية الكبرى على حافة انهيار مجتمعي خطير يهدد بحرب أهلية دامية ، وأنهار من الدم إذا لم تتوقف خطابات الكراهية والتحريض التي تمارسها مجموعات متطرفة وتتبعها قطعان من الجهلة والأغبياء ، والتي تقود سوريا بكل تأكيد نحو الهاوية .

لا حلول حقيقية أمام دمشق ، ولا أمام سائر القوى الفاعلة على الأرض قبل كبح جماح أبواق التطبيل والتشبيح في الداخل والخارج ، وما لم تُحاسب الأصوات المتطرفة التي بات متاحاً تتبعها وملاحقتها قضائياً في زمن بات من السهل فيه التوثيق والأرشفة والتبليغ .

ولا بد من الإسراع في إطلاق جولات مصالحة وطنية حقيقية ، ودعوة جادة لحوار وطني شامل لا يُقصي أحداً من أبناء سوريا ، ويكفل مشاركة جميع مكوناتها دون تمييز .

ليس مطلباً مستحيلاً أن يحلم السوري بوطن يسوده الأمان ، ويعيش فيه بحرية وكرامة وديمقراطية كما يليق به ، وأن يستعيد حقه في الحياة قبل كل شيء .