منظمات المجتمع المدني: بين طموح التغيير وهاجس التسييس والإنحراف

منظمات المجتمع المدني: بين طموح التغيير وهاجس التسييس والإنحراف
منظمات المجتمع المدني: بين طموح التغيير وهاجس التسييس والإنحراف

أصبح دور منظمات المجتمع المدني القائم نشاطها على ثقافة التطوع ،لممارسة نشاطها في المجتمعات الحديثة دورا تشاركيا مع السلطه، في تلبية حاجات المجتمع بل تٌعد معياراً لتطورة ،والحلقة الوسطى بين الدولة بجميع مؤسساتها والأسرة الصغيرة بإعتبارها نواة المجتمع ،ولا ننسى إن البعض غالبا  يفهم أن عمل هذه المنظمات يقتصرفقط على مساعدة النازحين أيام الحرب أو إيواء اليتامى والمشردين أو مساعدة كبار السن والمطلقات وإن كان ذلك صحيحا إلا إنة لايشمل ماإستجد من نشاطات تقوم بها تبعا لتطور حاجات الإنسان ولتسليط  الضوء على نشاطها لابد من الرجوع الى الأحداث التي أعقبت سنة 2003 كونها عنوان لمرحلة  مهمة من تأريخ العراق الحديث ساهمت هذه المنظمات في إحداثة وان كان النشاط المدني في العراق ليس وليد هذه الأحداث بل يعود الى بدايات القرن العشرين .

بعد سقوط النظام عام 2003 برز الى الساحة الكثير من المنظمات  المدنية التي تدعّي ممارستها للعمل الإنساني مستغلةًٌ المناخ الجديد وعدم الاستقرار المجتمعي وعد ذلك من قبل الولايات المتحدة حالة إيجابية تدل على سرعة التحول الديمقراطي بعد حكم شمولي قامع للحريات وأيضا سمة من سمات الديمقراطية وشبكه منظمات مدنية عابرة للتقسيمات الاجتماعية والإقتصادية تساهم في دعم ونهوض دولة حديثة ومجتمع ديمقراطي متقدم 

ولتنظيم عمل هذه المنظمات أصدر الحاكم المدني للعراق بول بريمر في 25 تشرين الأول عام 2003 الأمر رقم 45 لإضفاء الصفة الرسمية على الدور الذي تنهض به بإعتبارها أداة مهمة من أدوات بناء المجتمع البرالي في العراق الجديد 

دستوريا نصت المادة (45 ) أولا: تحرص الدولة على تعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني ودعمها وتطويرها وإستقلاليتها بما ينسجم مع الوسائل السلمية لتحقيق الأهداف المشروعه..وإنسجاما مع النص الدستوري 

وللمحافظة على زخم عمل هذه المنظمات وبغية تطوير نشاطها شّرع البرلمان الإتحادي قانون مؤسسات المجتمع المدني رقم 12  لسنة 2010 الذي ينظم آلية عملها وأعقبها بتعليمات تنفيذ هذا القانون رقم 6 لسنة 2010 وتناغماً مع هذا التشريع لم تتخلف كوردستان العراق عن الركب حيث شّرع برلمان الإقليم قانون رقم 1 لسنة 2011 الذي نظم عمل هذه المنظمات في الإقليم مما ساعد على وجود الكثير منها سواء كانت محلية أو أجنبية مستفيدة من مناخ الاستقرار وهامش الحرية الذي ساعدها على ممارسة نشاطها من جهة أخرى

عرف قانون المنظمات الإتحادي رقم 12 لسنة 2010 المنظمة المدنية في المادة (1) أولا :-مجموعة من الأشخاص الطبيعية أو المعنوية سجلت وإكتسبت الشخصية المعنوية وفقا لإحكام هذا القانون تسعى لتحقيق أغراض غير ربحية .

وهذا يعني بإمكان مجموعة أشخاص لايقل عددهم عن ثلاثة حسب المادة (5 ) تأسيس منظمة مع توفر بقية الشروط التي يتطلبها التأسيس بما فيها تسجيلها لتتمكن من القيام بنشاطها على أن لا يكون هذا النشاط يستهدف الربح من خلال ممارسة عمل تجاري مستفيدين من صفةالنشاط الإنساني .

 تزايد عدد المنظمات المدنية بعد عام 2003 ويعزى ذلك الى المنح والهبات المقدمة من قبل المنظمات الأوربية والسفارات وفي مقدمتها السفارة الأمريكية خاصة وبالتنسيق مع منظمة التنمية الأمريكية والتي تعرف بظل المخابرات الأمريكية على مستوى العالم لغرض تجميل صورتها أمام الرأي العام ولإثبات تحقق هدف التغيير من نظام شمولي الى نظام ديمقراطي مع إتخاذ بعض هذه المنظمات كواجهة للعمل الإستخباري ومحاولة بث قيم جديدة لأمركة المجتمع بحجة كون هذه القيم  من متطلبات التغيير والتحول الجديد في المجتمع

 وهي سياسة حرصت الولايات المتحدة على إعتمادها في سياستها الخارجية بإيجاد نوع من التعاون بين وزارة الخارجية ووزارة الدفاع في عهد وزيرة الخارجية هلري كلنتون مع توسيع العمل على ملفات أخرى مثل المخدرات والإتجار بالبشر وحقوق الإنسان وتمكين المرأة وحمايتها من العنف المجتمعي واعتبار هذه الملفات من صلب عمل الوزارة العابر للحدود مع الطلب من السفراء بعدم الإكتفاء بالإتصال الرسمي مع الحكومات بل توسيع المشاركة في النشاطات الشعبية ودعوة ممثلين عن المنظمات المدنية للإطلاع على مشاريعها في مايخص الملفات السالفة الذكر مستفيدة من نص المادة13 /ثانيا:- التبرعات والمنح والوصايا والهبات والهدايا الداخلية والخارجية.  

لا بل تطور عمل القسم الخاص بمنظمات المجتمع المدني في السفارة الأمريكية الى دعوة الأساتذة الأكاديميين المختصين بالعلوم السياسية ومناقشتهم في الوضع السياسي والإستماع الى آرائهم ومقترحاتهم مع توجيه دعوات لهم لحضور مؤتمرات في الولايات المتحدة مع عرض منح دراسية لهم لمواصلة دراساتهم العليا في المعاهد الأمريكية ومحاولة التأثيرعليهم في إطار مايسمى بالحرب الناعمة والتي يعد دعم منظمات المجتمع المدني إحدى تجلياتها والتي تعني التأثير على الآخر وتوجية سلوكة من دون إستخدام القوة الصلبة .

يمكن تصنيف المنظمات المدنية بعد عام 2003 الى ثلاث مجموعات منظمات تتخذ العمل الإنساني كواجهة لها عملت بعض الأحزاب على إيجاد علاقة تخادم معها بدعمها ماليا مقابل قيامها بالدعاية لهذة الأحزاب لإنتخابهاعن طريق تقديم مساعدات الى المستهدفين على شكل سلة غذائية مع مبالغ مالية .

والمجموعة الثانية ترفع شعار حقوق الإنسان وتطوير وعي الشباب من أجل المساهمة بالتغيير الديمقراطي وهذة المجموعة ساهمت في تحريك الشارع العراقي وخروجه بتظاهرات مطالبة بالتغيير رافعة شعارنريد وطن محاولة تغيير إتجاة المحتجين نحو إتجاة معين وتخوين الماسكين بالسلطة لكن البعض منهم لم يصمد أمام المغريات ودخل في تفاوض من أجل الحصول على مناصب أو إمتيازات وبذلك وجهت ضربة الى ثقة الجماهيرالمحتجة أفقدها مصداقيتها .

 وأخيرا المنظمات التي تقوم بالإستثمار بالعمل المدني من خلال تنظيم  المهرجانات والندوات وهم بعيدون عن الواقع المعاش للمواطن العراقي همهم الحصول على الأموال وإرتياد الصالونات والإتصال بالسفارات والتعامل مع المنظمات المدنية الدولية وتزويدها ببيانات المستهدفين من نشاطها كوسيلة للحصول على الأموال وقد كانت لهذة المنظمات حصة الأسد في المساعدات التي تقدم الى العراق وحتى لا نظلم المنظمات التي إلتزمت بأهدافها ومارست العمل الإنساني الحقيقي نذكرعلى سبيل المثال مؤسسة العين التابعه الى المرجعية الدينية في النجف والتي كان عملها عابرا للطوائف والقوميات والإثنيات وتعتمد في تمويلها على التبرعات وأموال الزكاة وأيضا من المنظمات ذات السمعة الجيدة منظمة بصمة أمل التي مارست نشاط إعلامي توعوي تمثل بنشر ثقافة الجمال عبر رسم لوحات فنية على جدران المدارس ومداخل المدن والدوائر تتضمن عبارات القصد منها رفع الوعي والتذكير بالشخصيات السياسية والفنية والثقافية من خلال رسم صور شخصية لهم تُذكّر بما قدموة لمجتمعهم وغيرها من المنظمات في مختلف المجالات.

وأخيرا إن نشاط منظمات المجتمع المدني ذا صفة إنسانية غايتة النهوض بالفئات المستهدفة وليس وسيلة للإستثمار والتربح والضرورة تقتضي قيام الجهات المختصة بإجراء فلترة وإعادة النظر بالمنظمات المسجلة فقط ولا تقوم بنشاط سوى الحصول على منح وهبات خارجية مما يجعلها تابعة ومعول هدم وليس بناء مع تنظيم ورش وندوات للتعريف بالدور الحقيقي لها حتى لايكون المواطن فريسة للمنظمات التي تتخذ من هذا العمل النبيل واجهة لتحقيق أهدافها المشبوهة