ب. د. فرست مرعي
كاتب وأستاذ جامعي
الميثرائية - القسم الاول.. الديانة الكوردية الرئيسية قبل الاسلام
كان من نتائج التحالف الميدي الكلداني في بداية القرن السابع قبل الميلاد أن تمكنوا من اسقاط الدولة الاشورية وعاصمتها نينوى عام 612ق.م، وقتل الملك الآشوري "سين-شر-إشكون"(حكم حوالي 627-612 ق.م.)، وكانت قد حدثت مصاهرة بين الجانبين الميدي والكلداني، حيث تزوج الملك الكلداني نبوخذ نصر الثاني(المتوفى سنة560ق.م) ابن الملك الكلداني نبوبلاصر من (أميتس)، وكانت أميديا (والتي عرفت باسم سميراميس عند المؤرخ اليوناني هيرودوت) ابنة (الملك سياخريس - كياجزارس – كياگزار- فخشتر- كيخسرو)، وهو ملك ميديا حكم من سنة 625 إلى سنة 585 ق م، وحسب هيرودوت هو يعتبر ثالث ملوك ميديا، خلف الحكم بعد والده فراورتيس- فرهاد (675 – 653 ق.م). وآميتس هي شقيقة خليفته أستياكس- أشتياك(585 – 550ق.م) آخر ملك ميدي وحفيد الملك الفارسي كورش من والدته، وقد كان هذا الزواج السياسي بين نبوخذنصر الكلداني وآميتس الميدية جاء في الوقت المناسب لتعزيز تحالف الدولتين البابلية والميدية بعد أن هزموا الدولة الآشورية، وقسموا أراضيها بينهما.
وقد عرفت بالمرأة التي بنى نبوخذنصر الجنائن المعلقة لها لأنها كانت تشتاق لبلادها(ميديا - كردستان الحالية) ذات الجبال العالية والمروج الخضراء، وعندما لم تستطع أن تساير البيئة الجديدة التي بدأت العيش فيها في مدينة بابل، لأن مدينة بابل عاصمة الدولة الكلدانية تقع في أراض ٍسهليةٍ (السهل الرسوبي في وسط وجنوب العراق) وهي ابنة الجبال، بنى لها زوجها الملك نبوخذ نصر برجاً هائلاً على شكل جبل، وبطريقة ميكانيكية رفع إليها الماء من نهر الفرات، وقد سمى الأقدمون هذا البرج بالجنائن المعلقة، وعدت إحدى عجائب الدنيا السبع، وبقيت آثارها إلى ما قبل حوالي 600 عام خلت.
مما لا شك فيه أنه كان للكورد إسهام لا بأس به في الحضارة الإنسانية، لأنه على أرضهم ظهرت أولى الحضارات البشرية، فقد حدد سكان العراق القدماء من السومريين والأكديين والآشوريين والاكديين بداية انتشار الموجة الثانية من البشرية بعد استقرار فلك أوتونابشتم “نوح عليه السلام” في جبل من الجبال الكوردية هو “كشاد كوتيوم” حسب النص الأكدي، و”نيسيرـ كينيبا” حسب النص الآشوري، وفي العهد القديم، وتحديداً التوراة، يشير ناسخو العهد القديم إلى أنه {… وَبَعْدَ مِئَةٍ وَخَمْسِينَ يَوْمًا نَقَصَتِ الْمِيَاهُ، 4وَاسْتَقَرَّ الْفُلْكُ فِي الشَّهْرِ السَّابعِ، فِي الْيَوْمِ السَّابعَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ، عَلَى جِبَالِ أَرَارَاطَ}.،[سفر التكوين:8: 3 – 5]. في حين حدد القرآن الكريم موقعًا قريبًا لهذا الحدث الجلل في الآية 44 من سورة هود: [وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ]. وعلى أية حال، فقد حفظت لنا السجلات التاريخية التي تعود إلى الألف الثالثة قبل الميلاد، أسماء عدد من الآلهة التي عبدها سكان شمال وادي الرافدين “سكان كوردستان القدماء”، فضلاً عن عدد من الملاحم والأساطير التي كان لها تأثير في تطوير الوعي الاجتماعي والبنية الذهنية لهذه الشعوب والشعوب المجاورة التي انتقلت إليها هذه المعبودات، وكانت لها تأثيرات واضحة وجلية في خلق مشاعر مشتركة حددت بمرور الزمن روابطها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية مطورة أوجهاً عديدة للحياة العامة، اندثر قسم كبير منها وظل أقلها مدوناً في وادي الرافدين ومصر وإيران والهند واليونان. ومن هذه الآلهة: “نيني- Nini إينانا”، الإله “موس MUS” أُودو- UDU، إله الشمس “سوريا – آسورا SURIYA”، والإله “تيشوبTESUP”، والإله “كوماربي” KOMARBI، والإلهان شيميكا وكوشوخ “إلاها الشمش والقمر عند الخوريين".
وبجانب المعبودات الزاكروسية التي ذكرناها آنفاً، فقد شاركت آلهة أخرى في عقيدة سكان المناطق الشمالية والشرقية لوادي الرافدين “بلاد سوبارتو” ترجع أصولها إلى المعتقدات والأساطير الميثولوجية للأقوام الهندية – الآرية التي تركت مواطنها في جنوب روسيا في بداية الألف الثانية قبل الميلاد والتجأت إلى كل من الهند وإيران والأناضول وبلاد سوبارتو “كوردستان”، وكان أشهر هذه المعبودات :آسورا الهندية أو سورياش الكاشية خالق الكون والإنسان، وهورفتات “هاروت في القرآن الكريم”، وماروتاش “ماروت في القرآن الكريم”، ووارونا وإندرا وناساتيا المذكورة في الفيدا “الكتاب الهندوسي المقدس”، وميثرا الذي انتشر خارج ايران وكردستان حتى وصل أوروبا، موضوع بحثنا.
وبعد انهيار الدولة الإخمينية الفارسية عام 330 ق.م على يد "الاسكندر المقدوني"(356 ق.م – 323ق.م)، انتشرت عبادة ميثرا “إله الشمس المنير” في بقعة واسعة بين كوردستان والأناضول، وخاصة بين أفراد الطبقات الأرستقراطية وأمراء الأقاليم، لذلك دخل اسمه في تركيبة عدد كبير من الألقاب الملكية، مثل: ميثرادات الأول والثاني والثالث البرثي، وميثرادات السادس ملك البنطس (= منطقة البحر الأسود)، وميثرادات ملك الأرمن وغيرهم، ومنذ عام 136م صنعت في الإمبراطورية الرومانية مئات التماثيل والأصنام لهذا الإله، وأصبحت الميثرائية عند الرومان دين إطاعة الملوك، وقد شجعها الأباطرة.
أما في العصر الساساني، فيقول المؤرخ الدانماركي “آرثر كريستنسن" ( المتوفى عام 1945م): "إن الشمس التي كان يعبدها مجوس العهد الساساني ليست خور وإنما هي مهر، ميثرا اليشتات القديم الذي جعل منه الميثريون الشمس التي لا تقهر"
وانعكست صيغة كنيته الحديثة “ميهر” في بعض الكلمات والأسماء الكوردية مثل: ميهربان “الرحيم”، وميرزا “السيد والمبجل”، ومير( =الامير)، و”المار” عند السريان المسيحيين بمعنى الشيخ، كما دخل اسم الاحتفال بيوم مولده إلى اللغة العربية بصيغة “مهركان – مهرجان”، أما الكنيسة المسيحية فقد جاملت ميثرا مجاملة عظمى باحتضان عيده الأكبر الذي يقع في 25 ديسمبر/ كانون الأول، وهو يوم ميلاد “الشمس التي لا تقهر”، واتخذت منه عيداً لمولد السيد المسيح “عليه السلام”.. ينظر: آرثر كريستنسن، إيران في عهد الساسانيين، ترجمة: يحيى الخشاب، راجعه: عبدالوهاب عزام، بيروت، دار النهضة العربية.
وفي هذا يشير المفكر المصري عباس محمود العقاد(1889 – 1964م) إلى طقوس في عبادة ميثرا بالقول: “إننا نجد فيها شبهاً كبيراً بما في المسيحية، ولك أن تلاحظ إحتفال المسيحية بعيد ميلاد إلهها الشهيد (يسوع المسيح) في 25 كانون أول، وهو نفس موعد ميلاد ميثرا، وأن احتفالها بقيامته المجيدة يوم 20 آذار، هو بدوره نفس موعد قيامة ميثرا المجيدة). عباس محمود العقاد، الله، كتاب الهلال، العدد42، القاهرة، سبتمبر، ص،111-112. ويؤكد الدكتور عصام حفني ناصف هذا القول أيضاً:” أنه كان يحتفل بعيد ميلاد ميثرا في 25 كانون أول أي بالضبط عندما تبدأ الشمس قوة دورتها الجديدة، فهو إله الضياء والشمس”. عصام حفني ناصف، المسيح في المفهوم المعاصر، ص64-66.
ومن جانب أخر فإن المبشر المسيحي (اسحاق بن علي الرهاوي) عكف في القرن الثالث الميلادي على وعظ الاقوام التي تعيش في مدينة (شهركرت) الواقعة بين داقوق وأربيل، وكانوا من عبدة الاشجار والاصنام المصنوعة من النحاس الاحمر، فهداهم مع ملكهم الى الديانة المسيحية؛ وهذا أبلغ دليل على وجود وثنية خاصة بالكرد.
ومن المؤكد أن الملك وشعبه الذين لا يدينان بالزرادشتية كانا من معتنقي الميثرائية سراً، طالما لم تكن لعبدة الشيطان الاقحاح سعة التهذيب الديني الضرورية لتأسيس المملكة وشن حملة اضطهاد شديدة على الغالبية من الزرادشتيين والمسيحيين، وأصبحت مدينة (شهر كرت) في سنة356م بالرغم من هذه الاضطهادات مركزاً تخرج منه الدعوة الى الكرد للدخول في الدين الاسلامي.
وسبق أن وجد عالم الدين المسيحي (ماري إيشو عياب) في القرن السادس الميلادي كوردا يسكنون بالقرب من قرية ( ثمانين – هشتيان) وهي قرية تقع على مقربة من (جزيرة بوتان – ابن عمر)، والحقيقة انها واقعة شرق مدينة (شهر نوخ – شرنخ- لواقعة في كوردستان الشمالية) يعبدون الشيطان، ومن المحتمل أنهم كانوا ميثرائيين. ينظر: توفيق وهبي بك، بقايا الميثرائية في الحضر وكردستان العراق وآثارها في الايزيدية، ضمن كتاب الآثار الكاملة، السليمانية، بنكه ى زين، 2006م، ج1، ص94 – 95.
في حين يعتقد الباحث أن ملاحظة العالم المسيحي هي دليل على وجود وثنية خالصة بالكورد دون غيرها من الامم المجاورة، على غرار الوثنية العربية، وكثيراً ما أشار الى هذه الملاحظة العديد من المصادر السريانية المتأخرة، كالعالم الدومنيكي الفرنسي " جان موريس فييه" ( 1919 – 1994م) عندما أشار الى الكرد وعبادتهم الوثنية، وحدد هذه الاماكن الخاصة في جبل قشفر بالقرب من دير مار ياقو (= تقع حالياً شمال غرب مدينة دهوك)، والميثرائية تختلف الى حد كبير عن الوثنية من ناحية الشكل والطقوس وغيرها.ينظر: جان موريس فييه، آشور المسيحية، ترجمة: نافع توسا، مراجعة وتدقيق: يوسف توما.