مهند محمود شوقي
كاتب كوردي
التاريخ يعيد نفسه… خرائطنا تُرسَم سلفاً
في الشرق الأوسط، لا يأتي التاريخ بوصفه ذاكرة نختلف حولها، بل كحكمٍ جاهزٍ يتكرر. هنا، لا تُرسَم الخرائط استجابةً لإرادة الشعوب، بل تُفرَض وفق ميزان القوة، ولا تُغيَّر الحدود لأن الزمن تطور، بل لأن لحظة دولية قررت أن الوقت قد حان.
منذ أكثر من مئة عام، والمنطقة تعيش داخل خرائط مؤقتة، كُتبت بالحبر السياسي، لا بالدم الاجتماعي، ومع ذلك دفعت الشعوب ثمنها دماً واستقراراً وهوية.
مع نهاية الحرب العالمية الأولى، انهارت الإمبراطورية العثمانية، لكن ما انهار فعلياً لم يكن نظام حكم، بل توازن حضاري استمر قروناً. اتفاقية سايكس–بيكو عام 1916 لم تقسّم الأرض فقط، بل قسّمت الفكرة نفسها: فكرة الشرق الواحد المتداخل.
ثم جاء مؤتمر سان ريمو عام 1920 ليحوّل التقاسم السري إلى شرعية دولية، وتُوِّج ذلك بمعاهدات رسمت دولاً حديثة على أنقاض مجتمعات قديمة، من دون أي اعتبار للبنية الاجتماعية أو الدينية أو القومية.
في تركيا الحديثة، أُغلقت صفحة التنوع بالقوة. معاهدة لوزان عام 1923 لم تُلغِ فقط أي اعتراف بالكورد، بل أسست لدولة قومية صلبة، تعاملت مع المسألة الكوردية، ومع الأقليات الأخرى، بوصفها خطراً وجودياً.
منذ تمرد الشيخ سعيد بيران عام 1925، مروراً بديرسم 1937، وصولاً إلى الصراع المفتوح في العقود الأخيرة، ظل الكوردي أسير خريطة لا تعترف به.
في إيران، لم يكن الوضع أفضل حالاً. الدولة المركزية، منذ عهد رضا شاه، سعت إلى صهر القوميات داخل هوية واحدة. أذربيجانيون، عرب الأحواز، بلوش، وكورد، جميعهم عاشوا تحت معادلة الأمن مقابل الإنكار. ومع كل أزمة داخلية أو خارجية، كانت هذه القوميات تُستَحضَر كملفات أمنية، لا كقضايا حقوقية.
أما في العراق، فالدولة التي وُلدت عام 1921 كانت مشروعاً هشاً منذ يومها الأول. ثورات العشرين، والانقلابات العسكرية، ثم الحروب المتلاحقة، كشفت أن الخريطة العراقية لم تُبنَ على عقد اجتماعي حقيقي.
الكورد في الشمال، والشيعة في الجنوب، والسنة في الوسط، عاشوا داخل دولة واحدة، لكن بلا شعور جامع بالانتماء. وبعد 2003، لم تنكسر الخريطة رسمياً، لكنها تفككت فعلياً، وتحولت الحدود الداخلية إلى خطوط تماس سياسية وأمنية.
سوريا ولبنان كانا نموذجاً آخر للفشل البنيوي. في سوريا، دولة الانتداب الفرنسي وُلدت بتناقضاتها، ثم جاءت البعثية لتفرض وحدة قسرية.
وعندما انفجر المشهد عام 2011، لم تسقط الدولة فقط، بل انكشفت الخريطة، وتحولت البلاد إلى مناطق نفوذ، وبدأ الحديث مجدداً عن التقسيم، كما لو أنه حل تقني، لا مأساة تاريخية. الكورد في شمال سوريا وجدوا أنفسهم مرة أخرى بين الاعتراف المؤقت والإنكار المؤجل.
في لبنان، الدولة التي صُممت على أساس طائفي منذ 1920، بقيت رهينة ميزان خارجي دائم. كل تغيير إقليمي كان ينعكس مباشرة على بنيتها، من الحرب الأهلية 1975 إلى الوصاية السورية، وصولاً إلى الانهيار الحالي. لبنان لم يتغير حجمه، لكنه فقد معناه كدولة.
فلسطين كانت الجرح الأوضح والأكثر فجاجة. قرار التقسيم عام 1947، ثم قيام إسرائيل عام 1948، لم يكونا سوى إعادة رسم للخريطة بالقوة المطلقة.
هنا، لم تُجزَّأ أمة فقط، بل جرى اقتلاعها. وما زالت فلسطين حتى اليوم المثال الأكثر دلالة على أن الخرائط التي تُفرض بالقوة لا تصنع سلاماً، بل صراعاً دائماً.
وفي شمال أفريقيا، لم تكن الأمور بعيدة عن هذا السياق. السودان، الذي رسمه الاستعمار ككيان واسع بلا انسجام داخلي، انتهى بانفصال الجنوب عام 2011، ثم عاد ليدخل في حروب داخلية جديدة.
ليبيا، بعد سقوط القذافي، لم تُقسَّم رسمياً، لكنها عملياً موزعة بين سلطات متنازعة، فيما تعيش اليمن منذ سنوات على حافة التفكك، تحت عناوين سياسية وطائفية وجغرافية.
ثم جاءت موجات “التغيير” الحديثة. الانقلابات العسكرية في الخمسينيات والستينيات كانت أول محاولة لإعادة هندسة الدولة من الداخل. ثم جاءت الحروب الإقليمية لتعيد فتح ملفات الحدود.
وأخيراً، جاء “الربيع العربي” عام 2011، لا بوصفه قطيعة مع الماضي، بل كامتداد له. فشلت الثورات لأن الخرائط كانت أقوى من الشعارات، ولأن النظام الإقليمي لم يكن مستعداً للاعتراف بإرادة الشعوب.
التاريخ هنا لا يعيد نفسه لأن الشعوب لم تتعلم، بل لأن القرار ظل دائماً خارجها. ما دام الشرق الأوسط يُدار بوصفه ساحة نفوذ، لا فضاء شعوب، ستبقى الخرائط مؤقتة، قابلة للكسر، وقابلة لإعادة الرسم كلما تغير ميزان القوة.
المشكلة ليست في تعدد الأمم ولا في تنوع الهويات، بل في إنكارها. الشرق الأوسط لا يحتاج إلى تقسيم جديد، ولا إلى وحدة قسرية، بل إلى اعتراف متبادل، وعدالة سياسية، وعقد اجتماعي حقيقي. من دون ذلك، سيبقى التاريخ يعيد نفسه، وستبقى خرائطنا تُرسَم سلفاً، في غرف لا تشبه شعوب هذه الأرض.