هندسة التحالفات الإقليمية بموافقة القوى العظمى: إعادة ضبط مكانة قوات قسد في النظام الإقليمي الجديد
يمرّ النظام الإقليمي في الشرق الأوسط بمرحلة «إعادة ضبط» بنيوية، حيث يجري الانتقال من فوضى الصراع المسلح إلى طور توازن القوى التقليدي. وتشير تقارير صادرة عن نيويورك تايمز وواشنطن بوست إلى أن التحركات العسكرية الأخيرة في شمال سوريا، ولا سيما في مدينة حلب، قد أسفرت – وفق مصادر أولية – عن نزوح ما يزيد على 155 ألف مدني. غير أن هذا النزوح لا يمكن قراءته بوصفه نتيجة جانبية للعمليات العسكرية فحسب، بل يبدو – في سياقه الأوسع – أداة بيد الدولة المركزية لإعادة تشكيل الديموغرافيا السياسية.
يمكن تفسير هذه التطورات في إطار فرضيات الواقعية الهيكلية، التي تنظر إلى الدولة بوصفها الفاعل المركزي في نظام دولي فوضوي. تدفع التحولات في أولويات القوى الكبرى دمشق إلى إعادة إنتاج سيادتها الداخلية عبر استعادة احتكار العنف الشرعي وتهميش الفاعلين من غير الدول، ولا سيما مكانة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ضمن هذا الاطار. وبناءً على ذلك، يمكن القول إن المشهد السوري قد غادر مربع الثورة والنزاع الأهلي، ليدخل في طور "هندسة الدولة" وفق حسابات الربح والخسارة بين القوى العظمى والفاعلين الإقليميين.
تفكيك «معضلة الأمن» التركية: التهديد الوجودي والمفاوضات الثلاثية
تتعامل تركيا مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بوصفها تهديدًا وجوديًا لا يمكن استيعابه ضمن النظام الإقليمي الجديد. ووفق تصريحات منسوبة إلى «بارك»، المستشار في إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، فإن ثمة توجهًا متزايدًا داخل واشنطن للاعتراف بالمخاوف الأمنية التركية باعتبارها أولوية استراتيجية. يفسر ذلك حالة الفتور التي تطبع الموقف الأمريكي إزاء الضغوط المتصاعدة التي تتعرض لها قسد.
في هذا السياق، تخوض أنقرة مفاوضات معقدة مع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، تهدف إلى تحييد هذا التهديد أو تقليصه. وقد نظرت تركيا تاريخيًا إلى كيان قسد بوصفه "خنجراً جيوسياسياً" في خاصرتها الجنوبية، وهي اليوم تستثمر في "سوريا الجديدة" كشريك محتمل لإنهاء طموحات الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا.
ويرى محللون أن هذا التفاهم التركي–الإسرائيلي–الأمريكي يقوم على مقايضة كبرى: استقرار المركز في دمشق مقابل إنهاء الحالة الانفصالية في شمال شرق سوريا بقيادة مظلوم عبدي. ويهدف هذا التحالف غير المعلن إلى تحويل قسد من "شريك ضروري" في مرحلة مكافحة الإرهاب إلى "عبء سياسي" يعرقل استقرار النظام الإقليمي.
وبناءً على ما تقدم، يمكن القول إن "التهديد الوجودي" الذي تمثله قسد لتركيا بات ورقة تفاوضية توظفها دمشق لشراء اعتراف إقليمي ودولي بشرعيتها الجديدة، في انسجام مع رؤية القيادة السورية لمركزية الدولة وبسط سيادتها على المناطق الخاضعة لنفوذ قسد.
جيوسياسية حلب: أحياء الأشرفية والشيخ مقصود وهندسة التعريب
في قلب مدينة حلب، تبرز أحياء الأشرفية والشيخ مقصود بوصفها بؤراً للصراع تعكس سعي القيادة السورية الجديدة إلى إرساء دعائم "الدولة المركزية القوية" وتشير معطيات ميدانية متقاطعة إلى وجود توجهات - ربما بدفع وتنسيق مع الجانب التركي – تهدف إلى تقليص الوجود الكوردي في هذه الأحياء، سواء عبر التهجير المباشر أو من خلال سياسات "تعريب" ناعمة وأخرى خشنة.
وتنطلق هذه المقاربة من قناعة مفادها أن السيطرة الكاملة على حلب تقتضي تفتيت الكتل الديموغرافية القادرة على تشكيل حاضنة اجتماعية للفاعلين من غير الدول، ولا سيما قوات قسد. ويتقاطع هذا السلوك مع فرضيات النظرية البنائية في العلاقات الدولية، حيث يجري إعادة تشكيل "الهوية الوطنية" السورية بما يتلاءم مع مصالح الدولة المركزية وحلفائها الجدد.
إن الضغط المتواصل على سكان الشيخ مقصود والأشرفية يحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن زمن "المناطق شبه المستقلة" قد انتهى، وأن السيادة السورية ستكون شاملة وغير مجزأة، بدعم إقليمي مباشر، مع بقاء ملف الجولان ضمن الخطوط الحمراء التي تحكم السلوك السوري تجاه إسرائيل.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن السياسات الديموغرافية في حلب تمثل حجر الزاوية في مشروع بناء دولة مركزية تتماهى مع المتطلبات الأمنية التركية، وربما تشكل مقدمة لتوسيع هذا النهج ليشمل مناطق أخرى خاضعة لنفوذ قوات قسد.
المقايضة الكبرى: التنازلات السورية مقابل العزلة الكوردية
تشير معطيات دبلوماسية إلى وجود تفاهمات عميقة وغير مسبوقة تجري خلف الكواليس بين دمشق وتل أبيب. ويُرجح أن تكون القيادة السورية قد قدمت تنازلات جوهرية تتعلق بتقليص النفوذ الإيراني وضمان أمن الحدود في الجولان، وهي تنازلات دفعت إسرائيل إلى تفضيل "نظام مركزي منضبط" في دمشق على حالة السيولة الأمنية التي يمثلها الفاعلون من غير الدول، بما في ذلك قسد.
لطالما ارتبطت مكانة قسد في الاستراتيجية الأمريكية بدرجة العداء بين النظام السوري والغرب. فحين كان النظام السابق يُصنَّف خصمًا مباشرًا، اضطرت واشنطن للاعتماد على قسد كشريك رئيسي في مكافحة الإرهاب. أما اليوم، ومع انخراط دمشق في المنظومة الدولية لمكافحة الإرهاب، تآكلت الشرعية الوظيفية لقسد، وتحولت إلى ورقة قابلة للتضحية في سبيل إرضاء الحليف التركي وتأمين المصالح الإسرائيلية.
من منظور كوردي، تُقرأ هذه التحولات بوصفها نمطًا متكررًا من إعادة ترتيب الأولويات الدولية وترتيب أولويات حلفائها بما يتماشى مع استراتيجيتها الشاملة في المنطقة، كما حدث في استفتاء إقليم كوردستان العراق، وخلال العمليات العسكرية التركية في عفرين وغيرها. غير أن هذه الوقائع تعكس، في جوهرها، طبيعة السياسة الدولية القائمة على منطق المصالح لا الالتزامات الأخلاقية.
خاتمة: مستقبل الفواعل في النظام السوري الجديد
في المحصلة، يبدو أن النظام الإقليمي يعيد الاعتبار لمفهوم "سيادة الدولة" على حساب الطموحات الفاعلين من غير الدول. إن تجربة الاعتماد على قوات قسد، التي ازدهرت في ظل غياب الشريك السيادي، تقترب من نهايتها مع بروز قيادة سورية قادرة على تقديم ضمانات أمنية لأنقرة وتل أبيب وواشنطن.
وقد تشهد المرحلة المقبلة مسارًا من "تفكيك الفواعل المسلحة" أو دمجها قسرًا أو طوعًا في مؤسسات الدولة، وهو توجه يحظى بدعم إقليمي ودولي واسع، بوصفه المدخل الأنجع لتحقيق استقرار طويل الأمد.
إن هذه التطورات تعكس نهاية مرحلة التساهل الدولي مع الفاعلين من غير الدول، وصعود منطق الدولة الوظيفية المدعومة إقليميًا، بما يتوافق مع فرضيات الواقعية السياسية والواقعية الهيكلية في تفسير سلوك الدول ضمن النظام الدولي فوضوي.