رسالة الرئيس بارزاني: وثيقة أخلاقية تترجم إرثا من القيم الإنسانية

رسالة الرئيس بارزاني: وثيقة أخلاقية تترجم إرثا من القيم الإنسانية
رسالة الرئيس بارزاني: وثيقة أخلاقية تترجم إرثا من القيم الإنسانية

في خضمّ العواصف التي تعصف بالمنطقة، وتحت وطأة الأحداث المؤلمة التي شهدتها مدينة حلب، جاءت رسالة الرئيس مسعود بارزاني لتمثل موقفا أخلاقيا وسياسيا رفيعا. هذه الرسالة لا تعكس فقط عمق الرؤية التي لطالما ميّزت نهج القيادة الكوردستانية، بل تعيد تثبيت البوصلة الإنسانية في زمن اختلطت فيه الأصوات وتشوّهت فيه المعايير، لتؤكد أن كوردستان تبقى وفية لمبادئها.

لم تكن رسالة الرئيس بارزاني مجرّد ردّ فعل آني على حملة إعلامية عابرة، بل كانت تعبيرا صادقا عن فلسفة سياسية متجذّرة، تنبع من صميم مدرسة البارزاني الخالد، تلك المدرسة التي صاغت مفهوم القيادة بوصفها مسؤولية أخلاقية تجاه الإنسان قبل أن تكون سلطة سياسية. فعندما يتصدّى الرئيس بارزاني بوضوح وحسم لأي محاولات لتحميل الأبرياء وزر أفعال لم يقترفوها، فإنه يرسّخ مبدأ العدالة الفردية الذي قامت عليه ثورات كوردستان، ويؤكد أن الذنب لا يُعمّم، وأن الكرامة الإنسانية لا تتجزأ، وهو المبدأ ذاته الذي تعامل به مع العرب العراقيين الذين لم يشاركوا في جرائم نظام البعث.

إن رفضه الصريح للحملات التي استهدفت المواطنين السوريين العرب المقيمين في إقليم كوردستان يكشف عن أفق يتجاوز الحسابات السياسية الضيقة. هذا الموقف ليس جديدا، بل هو امتداد طبيعي لسياسة ثابتة حوّلت الإقليم إلى ملاذ آمن لكل المظلومين.

ففي عام 2014، ومع اجتياح تنظيم داعش الإرهابي لمناطق واسعة من العراق، فتح الرئيس بارزاني، بصفته القائد العام لقوات الپيشمرگة آنذاك، أبواب كوردستان لأكثر من مليوني نازح ولاجئ، غالبيتهم من العرب السنّة، دون تمييز أو تفرقة. كما احتضن الإقليم مئات الآلاف من المسيحيين والكورد الإيزيديين الذين فروا من بطش الإرهاب، مقدما بذلك نموذجا عمليا للتعايش والأخوة الإنسانية.

تتجلى كاريزما القائد في قدرته على تحويل الأزمات إلى لحظات لتثبيت المبادئ. فالرئيس مسعود بارزاني، الذي نهل من مبادئ ثورتي أيلول وگولان ونهج الأب الروجي للكورد  مصطفى البارزاني، لا يرى في السلطة أداة للهيمنة، بل وسيلة لحماية القيم. دعوته الواضحة للجهات المعنية لوضع حدّ لهذه السلوكيات غير اللائقة هي تأكيد على أن مؤسسات الإقليم ليست محايدة تجاه خطاب الكراهية، وأن سيادة القانون والأخلاق تسيران جنبا إلى جنب لحماية نسيج المجتمع الكوردستاني المتنوع.

إن آفاق الرؤية التي تطرحها هذه الرسالة تتجاوز اللحظة الراهنة؛ فهي تؤسس لخطاب سياسي إنساني قوامه التعايش، واحترام الآخر، ورفض منطق الانتقام الجماعي. في وقت سابق، ورغم كل ما عاناه الكورد من سياسات التعريب والتهجير، أكد الرئيس بارزاني مرارا وتكرارا أن كوردستان لن ترد على الظلم بظلم مماثل، وأنها ستكون وطنا لكل من يعيش على أرضها بسلام. هذه الرؤية هي التي تجعل من قوة كوردستان الحقيقية قوة أخلاقية، لا تكمن في مؤسساتها فحسب، بل في منظومة قيمها التي صمدت أمام أعتى المحن.

بهذا المعنى، فإن رسالة الرئيس مسعود بارزاني ليست مجرد موقف عابر، بل هي وثيقة أخلاقية وسياسية تؤكد استمرارية نهج كوردستان في الدفاع عن الإنسان، أيا كان انتماؤه، وترسّخ صورة القائد الذي يرى في العدالة والرحمة أساسا لبناء المستقبل، لا عائقا أمامه.