«المرأة الكوردية» بين المسؤولية الفردية والبنية الاجتماعية

«المرأة الكوردية» بين المسؤولية الفردية والبنية الاجتماعية
«المرأة الكوردية» بين المسؤولية الفردية والبنية الاجتماعية

في الحروب الطويلة، لا تبقى القصص الفردية ملكاً لأصحابها، وإنما تُستدرج سريعاً إلى فضاءات أوسع من الجدل والتأويل. تتحوّل الأسماء إلى عناوين، والتجارب الإنسانية إلى مادة للنقاش العام، فيما تتراجع التفاصيل الصغيرة التي تشكّل جوهر الحكاية. هكذا كانت قصة آماراخليل، التي أثار استشهادها في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية ذات الغالبية الكوردية في مدينة حلب نقاشاً واسعاً، تجاوز حدود قصتها الشخصية، وفتح أسئلة أعمق عن المجتمع والحرب معاً.
لم تُقرأ سيرة آمارا بوصفها سيرة فتاة شابة فقط، لكنه أُعيد وضعها داخل أطر متباينة في التفسير والتقييم. رأى البعض فيها نموذجاً للتضحية، فيما توقّف آخرون عند سنّها وظروف التحاقها، وبين هذه القراءات، بدا واضحاً أن الرواية الإنسانية غالباً ما تُهمش لصالح تصنيفات جاهزة، عاجزة عن الإحاطة بتعقيد التجربة الفردية.
«متى تتحوّل قصة فتاة واحدة إلى مرآة لبلد كامل؟». هذا السؤال يفرض نفسه عند التمعّن في مسار آمارا خليل، لأن قصتها لا تنفصل عن واقع أوسع، تُختبر فيه خيارات الأفراد تحت ضغط الحرب، والهشاشة الاجتماعية، وغياب البدائل.فقبل أن تصبح اسماً في الأخبار، كانت آمارا خليل فتاة لها عمر، وملامح، وأسئلة، وأحلام مؤجّلة، مثل آلاف الفتيات اللواتي كبرن أسرع مما ينبغي في زمن لا ينتظر أحداً.
وسط هذا كله، تبقى حقيقة أساسية لا يمكن تجاوزها، هو أن آمارا خليل كانت فتاة في عمر هشّ، انتهى بها الأمر شهيدة في حرب تتجاوز قدرة الأفراد على التحكم بمساراتها. وأي قراءة لا تنطلق من هذا البعد الإنساني أولاً، تبقى قراءة ناقصة مهما بدت متماسكة في ظاهرها.
على المستوى العام، واجهت بعض التنظيمات السياسية في سوريا، خلال السنوات الماضية، إشكاليات وانتقادات متكررة تتعلّق بملف القاصرين، وهي مسألة تفرض مسؤوليات أخلاقية وقانونية لا يمكن تجاوزها. غير أن التوقّف عند هذا العنوان وحده لا يقدّم فهماً كاملاً، ما لم يُنظر إلى السياق الاجتماعي الأوسع الذي تتشكّل فيه مثل هذه الحالات. إذ نحن أمام مجتمعات تعيش تحت ضغط طويل الأمد، تهميش مزمن، سلطة أبوية خانقة، عقلية ذكورية تحدّ من خيارات الفتيات، إلى جانب فقر، نزاعات عائلية، وغياب أفق واضح للمستقبل. في مثل هذه البيئات، يتحوّل السلاح أحياناً لدى بعض الفتيات والفتيان إلى مساحة خلاص من واقع شخصي واجتماعي خانق، أكثر منه تعبيراً عن رغبة في القتال أو فرض القوة.
هذا الفهم لا يبرّر إشراك القاصرين في النزاعات المسلحة، ولا يخفّف من مسؤولية أي جهة مسلّحة، لكنه يسمح بقراءة الظاهرة بوصفها نتيجة تداخل معقّد بين واقع اجتماعي مأزوم وحرب مفتوحة تستنزف الأفراد قبل أن تحسم نتائجها.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل تجربة المرأة الكوردية عن بعدها الرمزي والاجتماعي. فهي دائما حاولت لإعادة تعريف موقعها وواقع المرأة في مجتمعات اعتادت حصرها في أدوار ضيقة. الانضمام الى العمل العسكري لم يكن في حالات كثيرة قراراً عسكرياً صرفاً، وإنما سعياً إلى كرامة، استقلال، ومساحة قرار مفقودة.
وجدانياً، يصعب تجاهل ما يتطلّبه هذا الخيار من شجاعة استثنائية في بيئة تُدرب فيها النساء غالباً على الخوف والانصياع، لا على المواجهة. والاعتراف بهذه الشجاعة لا يعني إلغاء النقاش الحقوقي أو القانوني، بل يمنع اختزال النساء المقاتلات في صورة واحدة جامدة، سواء كانت صورة الضحية المطلقة أو البطلة المجرّدة من تعقيدها الإنساني.
قصة آمارا خليل لا يمكن التعامل معها كملف سياسي مغلق، ولا كرمز جاهز للاستخدام. هي حكاية إنسانية تكشف حجم التشابك بين الفردي والجماعي، وبين الاختيار والاضطرار، في زمن لم يعد يتيح لأضعف ضحاياه ترف الخيارات الواضحة.
النتيجة التي تفرضها هذه القصة ليست اتهام طرف واحد، ولا تبرئة آخر، بل الاعتراف بأن حماية الفتيات والفتيان في زمن الحرب تبدأ من تفكيك البنى الاجتماعية الطاردة، ومراجعة سياسات الجهات المسلحة، قبل أي خطاب أو شعار.
قصص كهذه لا تطلب منا موقفاً جاهزاً، بل شجاعة النظر في المرآة. ففي الحروب الطويلة، لا يكون السؤال الأهم كيف مات الناس، بل لماذا لم يجدوا طريقاً آخر للحياة