بين أوراق التفاوض والهزيمة التاريخية

بين أوراق التفاوض والهزيمة التاريخية
بين أوراق التفاوض والهزيمة التاريخية

يثير التباكي على خسارة الرقة ودير الزور جدلًا واسعًا في الشارع الكردي، وكأنّ هاتين المنطقتين كانتا يومًا جزءًا من المشروع القومي الكردي أو هدفًا استراتيجيًا بحدّ ذاته. والحقيقة التي يدركها كثيرون، وإن تجاهلها البعض عمدًا، أن السيطرة على هذه المناطق لم تكن في أي مرحلة هدفًا نهائيًا، بل شكّلت منذ البداية أوراق ضغط سياسية استُخدمت ضمن صراع إقليمي ودولي شديد التعقيد.


الرقة ودير الزور: أدوات لا غايات

لم تكن الرقة ولا دير الزور جزءًا من الجغرافيا الكردية التاريخية، ولم تكونا يومًا ضمن المطالب القومية الكردية. جاءت السيطرة عليهما في سياق الحرب على تنظيم داعش، وفي إطار تحالفات عسكرية دولية، وكان الهدف الحقيقي من هذا التوسع هو امتلاك أوراق قوة على طاولة التفاوض، تُمكّن القيادات الكردية من انتزاع مكاسب سياسية حقيقية، في مقدمتها:
 • تثبيت الإدارة الذاتية في المناطق الكردية.
 • الاعتراف بالحقوق القومية الكردية.
 • إدراج هذه الحقوق بشكل واضح وصريح في دستور سوريا المقبل.
 • ضمان شكل فعلي من اللامركزية او نوع من الإدارة الذاتية .


بين الإنجاز التاريخي والخديعة السياسية

هنا يكمن جوهر المسألة، إذا كان الانسحاب من الرقة ودير الزور قد تمّ مقابل تحقيق هذه الأهداف، فإن ما جرى يمكن اعتباره إنجازًا تاريخيًا يُحسب للقادة الذين خاضوا سنوات طويلة من القتال، وقدّموا آلاف الشهداء والجرحى في سبيل مشروع سياسي واضح المعالم، مهما كان الثمن مؤلمًا.

أما إذا تمّ هذا الانسحاب دون أي مقابل سياسي حقيقي، فإن الواجب يفرض خوض معركة وجودية في المناطق الكردية، وتوحيد الجبهة الكردستانية حتى انتزاع الحقوق القومية كاملة.
أما الانسحاب دون ضمانات دستورية، ودون اعتراف رسمي بالحقوق القومية الكردية، فلا يعني خسارة عسكرية فحسب، بل يمثّل هزيمة تاريخية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.


والأخطر من ذلك كلّه، إذا كان ثمن هذه التضحيات مقابل :
 • السماح بالاحتفال بعيد (نوروز)
 • أو بعض الامتيازات الشكلية،
 • أو اعترافًا ثقافيًا بلا أي مضمون سياسي حقيقي،


فهذا يعني أن آلاف الشباب الكرد قد زُجّوا في حروب عبثية، لم يكن للكرد فيها لا ناقة ولا جمل، ودُفعت دماؤهم ثمنًا لصفقات سياسية فارغة من أي مضمون قومي حقيقي.


المسؤولية والمحاسبة

في هذه الحالة، لا يعود النقد ترفًا سياسيًا، بل يتحوّل إلى واجب أخلاقي وقومي.
ويغدو مطلب محاسبة القيادات التي اتخذت هذه القرارات مطلبًا مشروعًا، لا بدافع الانتقام، بل حمايةً لمستقبل القضية الكردية، ومنعًا لتكرار الكوارث نفسها.فالقضية الكردية ليست وقودًا لمعارك الآخرين، ولا مشروعًا للمساومات المؤقتة، ولا ورقة ضغط تُستخدم ثم تُرمى، بل هي قضية شعب دفع أثمانًا باهظة على امتداد قرن كامل من التهميش والإنكار والخذلان.
إن خسارة الأرض يمكن تعويضها،
وخسارة المعركة يمكن تبريرها،
لكن خسارة المشروع السياسي لا تُعوَّض، وخسارة المعنى لا تُغتفر.إمّا أن تكون الرقة ودير الزور قد تحوّلتا إلى جسرٍ لتثبيت الحقوق القومية الكردية في سوريا،
وإمّا أن تكونا شاهدتين على واحدة من أكبر الخيبات السياسية في تاريخ الكرد السوريين.


وبين هذين الخيارين فقط…
يُكتب الحكم الحقيقي على ما جرى.