بين مخاض الدولة وإجهاض الحلم.. القضية الكوردية بعد قرن على سايكس-بيكو

بين مخاض الدولة وإجهاض الحلم.. القضية الكوردية بعد قرن على سايكس-بيكو
بين مخاض الدولة وإجهاض الحلم.. القضية الكوردية بعد قرن على سايكس-بيكو

بعد أكثر من مئة عام على اتفاقية سايكس-بيكو، التي أعادت رسم خرائط المنطقة على حساب الشعوب لا وفق إرادتها، تعود قضيتنا الكوردية اليوم إلى واجهة المشهد الإقليمي بوصفها إحدى أكثر القضايا تعبيرا عن فشل الدولة الوطنية في الشرق الأوسط. فما تشهده كل من العراق وسوريا وإيران وتركيا من أزمات بنيوية، وتآكل في مفهوم السيادة، وتراجع في شرعية العقد الاجتماعي، يفرض سؤالًا مركزيا لم يعد ممكنا تجاهله: هل تمثل هذه التحولات مخاضا حقيقيا لولادة دولة كوردية، أم أنها حلقة جديدة في مسلسل إجهاض الحلم الذي تأجل قرنا كاملا؟

إن القراءة الواقعية لما يجري في الشرق الاوسط تكشف أن البيئة المحيطة بالكورد ليست بيئة تحرر بقدر ما هي بيئة اضطراب. ففي العراق، يتمتع إقليم كوردستان باعتراف دستوري ووجود مؤسساتي راسخ نسبيا، لكنه يعمل ضمن دولة اتحادية هشة، تتقاسم القرار فيها قوى داخلية وخارجية، ما جعل الإقليم شريكا معترفا به قانونيا، لكنه مقيّد سياسيا واقتصاديا وأمنيا.

أما في سوريا، فقد أتاح انهيار الدولة المركزية منذ عام 2011 للكورد هامشا واسعا للسيطرة الجغرافية وبناء إدارة ذاتية، غير أن هذه التجربة بقيت بلا غطاء قانوني دولي، ومرتبطة بتوازنات عسكرية مؤقتة، ما جعلها عرضة للتقلبات الدولية والإقليمية كما نراه في الوقت الراهن. وفي تركيا وإيران، لا تزال الدولة قوية ومتماسكة نسبيًا، وتتعامل مع المسألة الكوردية بمنطق الأمن القومي لا بمنطق الحل السياسي، الأمر الذي يجعل أي حديث عن تحولات بنيوية في هذين البلدين أقرب إلى التوقع المؤجل منه إلى الواقع القريب.

من زاوية القانون الدولي، لا يمكن إنكار أن الشعب الكوردي يندرج ضمن مفهوم “الشعوب” التي يحق لها تقرير مصيرها، كما نصت على ذلك المواثيق الدولية الأساسية. غير أن المشكلة لا تكمن في النص القانوني، بل في آلية تطبيقه ضمن نظام دولي يقدّم الاستقرار على العدالة، ويحمي الحدود القائمة أكثر مما يعالج جذور المظالم التاريخية.

فالمجتمع الدولي، في تعاطيه مع القضية الكوردية، يدفع باتجاه صيغ تقرير المصير الداخلي، كالحكم الذاتي والفدرالية والمشاركة السياسية، بينما يغلق الباب فعليا أمام تقرير المصير الخارجي المتمثل في الاستقلال، خشية إعادة رسم الخرائط وفتح ملفات انفصالية متعددة. وبذلك، تصبح عدالة القضية الكوردية معترفا بها أخلاقيا، لكنها مقيّدة سياسيا الى حد ما .

غير أن التركيز الحصري على العوامل الخارجية يخفي جزءا مهما من الحقيقة. وما يحسب علينا ككورد ان قضيتنا، رغم ما تمتلكه من شرعية تاريخية وقانونية، ما زالت تعاني من انقسام في الرؤية وتعدد في مراكز القرار واختلاف في أولويات الفعل السياسي بين أجزائها المختلفة، وهذه الانقسامات لم تسمح بتحويل المظلومية المشتركة إلى مشروع سياسي موحّد، قادر على مخاطبة العالم بلغة واحدة، ورسم مسار تراكمي واضح لا يقوم بالضرورة على إعلان الدولة الفورية، بل على بناء شروطها الواقعية.

الا اننا لا يمكن ان نغض البصر عن دور ومكانة الرئيس مسعود البارزاني ومساعيه في توحيد الرؤى وخلق مشتركات وتحويل مظلومية الشعب الكوردي الى مشروع سياسي في المحافل الدولية، في محطات تاريخية بقت وستبقى مصدر الهام للاجيال القادمة وخير مثال عملية الاستفتاء على حق تقرير المصير في اقليم كوردستان . 

ومن جهة اخرى يقوم البارزاني بجهود جبارة لانجاح مشروع السلام في تركيا، وفي سوريا اعلن اكثر من مبادرة ويعمل على اكثر من ملف وفتح اكثر من باب للحوار البناء لايجاد حل مناسب للقضية الكوردية في سوريا والصورة واضحة للعيان .

ولو افترضنا أننا ككورد نجحنا في توحيد صفوفنا، وبناء خطاب سياسي جامع، وتقديم رؤية استراتيجية طويلة الأمد، فإن موقعنا في المعادلة الإقليمية والدولية سيتغير جذريا. عندها، لن نعود نحن الكورد مجرد ورقة تُستخدم في صراعات الآخرين، بل فاعلًا سياسيا يصعب تجاهله. إن وحدة القرار لا تعني إلغاء الخصوصيات المحلية، بل تعني ضبط الخلافات ضمن إطار استراتيجي مشترك، يقلّص قدرة القوى الإقليمية على استثمار الانقسام، ويرفع كلفة تهميش القضية الكوردية في المحافل الدولية.

وعليه، فإن ما نعيشه اليوم لا يمكن توصيفه بوصفه مخاضا طبيعيا لولادة دولة كوردية، كما لا يمكن اعتباره إجهاضا نهائيا للحلم. نحن أمام مرحلة انتقالية رمادية، تتقاطع فيها فرص تاريخية مع مخاطر حقيقية، حيث لا تُمنح الدولة كاستحقاق أخلاقي، ولا تُولد من فوضى الآخرين وحدها، بل تُبنى عبر مشروع سياسي ناضج، ووحدة داخلية صلبة، وقراءة دقيقة لموازين القوة الدولية.

في الختام اناشد النخب والقوي السياسية الكوردستانية من شمال كوردستان الى جنوبه ومن شرقه الى غربه واقول لهم : إن المسؤولية التاريخية اليوم لا تقع على الجغرافيا ولا على التحولات الإقليمية وحدها، بل على النخب الكوردية السياسية والفكرية قبل غيرها.

فإما أن تتحول قضيتنا من سردية مظلومية متوارثة إلى مشروع سياسي عقلاني قابل للحياة، أو تبقى رهينة الانقسام وردود الفعل وانتظار الفرص الضائعة. فبعد قرن على سايكس-بيكو، لم يعد العالم يعيد رسم خرائطه بالعاطفة، بل بالمشاريع الواضحة والقوى الموحدة. والسؤال الذي يجب أن تواجهه النخب الكوردية بجرأة اليوم ليس: ماذا يريد الآخرون من الكورد؟ بل: ماذا يريد الكورد لأنفسهم، وبأي أدوات، وبأي وحدة، وفي أي لحظة تاريخية؟