د. سيروان سيريني
كاتب
بين شجاعة الضمير ووحشية نزع الإنسانية
تحية لذكرى Renée Good وDeniz “عفرين”
زمنٍ تختلط فيه العدالة بالقوة، وتُختبر فيه قيمة الإنسان عند أول احتكاكٍ مع الخوف أو السلطة، تبرز قصتان لا يمكن المرور عليهما بصمت: قصة Renée Good في مينيسوتا، وقصة Deniz في حلب.
وعلى الرغم من التباعد الجغرافي والتناقض الظاهر في السياقات السياسية، فإن القاسم الإنساني المشترك بين القصتين واحد: موقف أخلاقي نادر دُفع ثمنه باهظًا—لا لأن صاحبه ضعيف، بل لأن الضمير حين يواجه العنف يتحوّل، في نظر من اعتادوا نزع الإنسانية عن الآخرين، إلى “خصم”.
هذه المقارنة ليست خطابًا عاطفيًا، ولا توظيفًا انتقائيًا للمآسي، بل قراءة أخلاقية تُظهر كيف تُقاس كرامة الإنسان:
لا بلحظة التصفيق، بل بالموقف حين يُستهدف الضعفاء، ويُقصى “الآخر”، ويُبرَّر العنف باسم السلطة أو الأمن أو الهوية.
المقارنة بوصفها قراءة أخلاقية لا مجرد سرد
لا تمثّل المقارنة بين موقف Renée Good في الولايات المتحدة ومأساة Deniz في حلب سردًا لحادثتين منفصلتين، بل هي مقارنة بين مفهومين إنسانيين جوهريين:
- شجاعة الضمير المدني داخل دولة القانون، حين تتضخم سلطة التنفيذ ويضيق هامش الحماية للفئات الهشّة.
* نزع الإنسانية حين يتحوّل الجسد—حتى بعد الموت—إلى أداة إذلال ورسالة رعب، في انتهاكٍ صارخ لقواعد القانون الدولي الإنساني التي تُلزم باحترام جثامين القتلى وتحظر التشويه والمعاملة المهينة.
أولًا: Renée Good… شجاعة الضمير داخل دولة القانون
بحسب تقارير موثوقة، قُتلت Renée Good (37 عامًا) في ولاية مينيسوتا بتاريخ 7 كانون الثاني/يناير 2026 برصاص أحد عناصر الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE)، خلال واقعة مرتبطة بعمليات إنفاذ قوانين الهجرة، وسط تضاربٍ في الروايات الرسمية، واحتجاجاتٍ واسعة، ومطالبات علنية بالشفافية والمساءلة والتحقيق المستقل.
وبعيدًا عن التفاصيل الإجرائية التي يبتّ فيها القضاء، يبرز البعد الأخلاقي للقضية؛ إذ تحوّلت Renée—في نظر منظمات مدنية وحقوقية واسعة—إلى رمز لصوت الضمير الدستوري:
امرأة تُقرأ قصتها باعتبارها دفاعًا عن الحقوق الدستورية، وعن المهاجرين بوصفهم بشرًا لا “ملفات أمنية”، ورفضًا لتحويل الخوف إلى سياسة، والإنسان إلى رقم.
إن استذكار Renée هنا ليس تسييسًا لوفاتها، بل احتفاء بفكرة المواطنة الشجاعة: أن تقف مع الآخر عندما يصبح هدفًا للتحريض، وأن تُذكّر الدولة—أي دولة—بأن كرامة الإنسان ليست امتيازًا تمنحه السلطة، بل أصلًا لا يجوز المساس به.
ثانيًا: Deniz… حين تُغتال الإنسانية مرتين
في المقابل، تكشف مأساة Deniz في حلب وجهًا أشد قتامة من العنف المنفلت.
فبحسب تقارير إعلامية وحقوقية، جرى تداول تسجيل مصوّر تم التحقق منه يُظهر إلقاء جثمان امرأة من طابق مرتفع خلال اشتباكات في أحد أحياء حلب، ونُسب الفعل إلى عنصر يرتدي زيًا عسكريًا، ما أثار دعواتٍ واسعة لفتح تحقيق فوري وتعليق المتورطين وإحالتهم إلى القضاء.
هنا يتحوّل الجسد إلى رسالة
الاعتداء على الجثمان بعد الموت ليس فعلًا عشوائيًا؛ بل هو—في منطق العنف—محاولة لإذلال الضحية علنًا، وكسر رمزية المجتمع الذي تنتمي إليه، وإيصال رسالة مفادها أن الكرامة قابلة للإلغاء.
وقد زادت من وقع المأساة حادثة “ضفيرة الشعر”، التي تحوّلت إلى رمزٍ للهوية والكرامة الأنثوية، بعد تداول تقارير عن التمثيل بالجثمان، ما فجّر موجة تضامن اجتماعي ونسوي واسعة، عابرة للحدود.
إضافة جوهرية: قضية شرعية وشعب بلا دولة
من المهم، ضمن هذه القراءة، التأكيد على أن Deniz ورفاقها لم يكونوا مجرد أسماء في سجل الضحايا، بل قُدّموا في خطاب مجتمعهم بوصفهم مدافعين عن قضية يرونها شرعية، تتصل بحقوق شعبٍ أصيل في جغرافيا ميزوبوتاميا، وحقه في الأمن والهوية والوجود.
ويُنظر إلى الكرد—بحسب توصيفات راسخة في الأدبيات السياسية والبحثية—بوصفهم من أكبر الشعوب بلا دولة في العالم، ما يجعل سؤال الهوية لديهم مسألة وجود يومية لا شعارًا عابرًا.
والأخطر أن بعض المتورطين في هذه الانتهاكات—بحسب إفادات وشهادات متداولة—يحملون ذهنية تنظيمات متطرفة، سبق أن تورطت أو تفاخر أفرادها بالإهانة والعنف، وهو ما يكشف خطورة إعادة إنتاج الوحشية داخل مؤسسات السلاح في غياب المحاسبة القانونية الصارمة.
جوهر المقارنة: قاسم إنساني واحد رغم اختلاف الجغرافيا
- الإنسانية لا تُقاس بالهوية: مهاجر، كردي، عربي، أو غير ذلك—الكرامة واحدة، وأي انتقاص منها هو انتقاص من معنى الإنسان ذاته.
2. العنف حين ينفلت لا يستهدف الجسد فقط بل المعنى:
* في حالة Renée: سؤال حدود السلطة والمساءلة داخل الدولة.
* في حالة Deniz: الانهيار الأخلاقي حين تتحوّل الجثة إلى أداة إذلال ورسالة ترهيب.
3. كرامة المرأة ليست تفصيلًا: Renée بصفتها صوتًا مدنيًا أخلاقيًا، وDeniz بوصفها رمزًا للهوية والمقاومة؛ كلتاهما تؤكد أن المرأة ليست هامشًا في التاريخ، بل فاعلًا أخلاقيًا في قلبه.
تحية احترام وتقدير
أرفع أسمى معاني الاحترام والتقدير لذكرى Renée Good—رمز شجاعة الضمير الدستوري في الدفاع عن المهاجرين وحقوق الإنسان—ولذكرى Deniz ورفاقها—رمز كرامة المرأة حين تُستهدف الهوية ويُستباح الجسد حتى بعد الموت.
إن إنصاف هاتين القصتين لا يكتمل بالعاطفة وحدها، بل يقتضي مطلبًا أخلاقيًا واضحًا:
الحقيقة، والمساءلة، والعدالة.
وأن تُصان كرامة الإنسان حيًا وميتًا، لأن الأمم تُقاس بقدرتها على حماية الضعفاء، لا بتبرير العنف أو التواطؤ مع الاهانة.