مظفر مزوري
صحفي في مؤسسة كوردستان24
الأرض لا تخون عشاقها.. ملحمة الصمود والوحدة في وجه الحصار
دائماً كنت أؤمن بأن الجغرافيا بالنسبة لنا نحن الكورد ليست مجرد خريطة، بل هي هويتنا وروحنا، كلما راهن العالم على تعبنا، أو ظنوا أننا انكسرنا تحت الحصار، نفاجئهم بخروجنا من تحت الأنقاض، نلملم حجارة بيوتنا المدمرة بيدينا، ونغني للأرض من جديد، هذا العناد ليس سياسة، بل هو عشق حقيقي لتراب لا نقبل عنه بديلاً مهما كلفنا الثمن.
لكن ما يؤلم الروح اليوم في رۆژ ئاڤا ليس مجرد الحرب، بل هو بشاعة المشهد، أن ترى الجلاد الذي كان يذبحنا بالأمس تحت راية داعش السوداء، يقف اليوم أمامنا بزي الجيش السوري! نفس الوجوه التي أدمنت الدم، ونفس القلوب التي يملؤها الحقد، عادت اليوم لتكمل جرائمها في الحسكة وكوباني. هؤلاء الذين نزعوا لثام داعش ليرتدوا البدلة العسكرية، ما زالوا يحملون نفس العقلية الإجرامية التي لا تعرف إلا القتل، والمخزي حقاً هو صمت العالم، وهو يرى إرهابيين من "جبهة النصرة والعمشات والحمزات" يتحولون بين ليلة وضحاها إلى عناصر رسمية، يمارسون حصارهم وظلمهم ضد المدنيين والأطفال بغطاء رسمي.
لكن التاريخ لا ينسى، والأرض لا تنسى، إرادة شعبنا التي حطمت أسطورة داعش وهي في عز قوتها، لن تهتز اليوم أمام بقاياهم مهما غيروا أسماءهم. الظلم قد يتجبر، لكنه في النهاية إلى زوال.
انظروا إلى ما يحدث في الحسكة وكوباني، إنها ملحمة إنسانية بكل معنى الكلمة. مدن تُحرم من الماء، ويُحاصر خبزها، وتُهدد ليل نهار، ومع ذلك يرفض أهلها الركوع، في الحسكة، يقتسم الجيران شربة الماء بابتسامة رغم كل شيء، وفي كوباني، التي صارت رمزاً للكرامة، يثبت الناس أن الإنسان أقوى من كل آلات الموت، هناك في غرب كوردستان، نحن لا ندافع عن جغرافيا، بل ندافع عن حقنا في أن نكون موجودين، عن لغتنا، وعن تراثنا الذي حاولوا مسحه من الوجود.
أما الوجع الأكبر، فهو ما جرى لأطفالنا، الحصار لم يغلق الطرق فقط، بل سرق الدفء من أجساد صغيرة، خمسة أطفال في كوباني، خمسة عصافير كوردية، ماتوا من الصقيع، لم تقتلهم رصاصة، بل قتلهم برد الحصار الذي لا يرحم.
بينما العالم ينعم بالدفء، أطفالنا يرتجفون نتاج نقص الوقود، رحلوا وتركوا في قلوبنا غصة لا تندمل، وسؤالاً يصفع وجه الإنسانية: كيف يغمض للعالم جفن وصغارنا يتجمدون؟ لكن دماءهم ستكون وقوداً لإصرارنا، فنحن شعب لا يزيده الوجع إلا تمسكاً بأرضه.
ورغم كل هذا السواد، هناك بريق أمل يظهر في "وحدتنا". الحدود التي رسموها قبل مئة عام فشلت في تشتيت قلوبنا، اليوم، وجع الحسكة يهز أزقة السليمانية، وصراخ كوباني يصل صداه إلى هولير ودهوك وآمد ومهاباد، هذه المظاهرات اليومية ليست مجرد واجب، بل هي صرخة دم واحد، الكوردي في أربيل يشعر أن شقيقه المحاصر في كوباني هو قطعة منه.
وأكثر ما يلمس قلبي هو مشهد حملات التبرع، حين ترى الفقير يسابق الغني ليقدم ما عنده. طفل يفرغ حصالته، وأم تخلع خاتمها لترسله إلى إخوتنا في روج آفا، هذه المساعدات تقول للصامدين: "لستم وحدكم"، نحن جسد واحد، إذا تألم عضو في روج آفا، فزع له سائر الجسد في كل الأجزاء.
قوتنا ليست في السلاح، بل في هذا التلاحم، نحن مثل شجر البلوط، نتحمل العطش، نتحمل البرد والقسوة، لكن جذورنا في أعماق الأرض، ولا يمكن لأحد اقتلاعنا إلا باقتلاع الأرض نفسها، ستظل الحسكة وكوباني شامخة، وسيبقى الكورد يداً واحدة، لأننا ببساطة اخترنا الوفاء لأرضنا.. والأرض لا تخون أبداً من يحبها.