تبّاً للمهنية

تبّاً للمهنية
تبّاً للمهنية

في عالم يُفترض أن تكون فيه الصحافة سلطة رقابية وأداة لكشف الحقيقة، تحوّل بعض الإعلاميين إلى صُنّاع ضجيج، لا همّ لهم سوى الإثارة واستفزاز الغرائز، ولو كان الثمن نسف أبسط قواعد المهنية. ويُعدّ برنامج «الاتجاه المعاكس» الذي يقدّمه فيصل القاسم في قناة الجزيرة مثالًا صارخا على هذا الانحدار المتواصل في الخطاب الإعلامي العربي.

منذ سنوات، اتابع هذا البرنامج وعلى الرغم من الملاحظات على طريقة البرنامج وأسلوب مقدمه الا أن هذا البرنامج  لم يعد مساحة حوار سياسي بقدر ما أصبح ساحة صراع مفتعل، تُدار فيها النقاشات بمنطق الاستفزاز لا الفهم وايصال الحقيقة، وبالتشهير لا إدارة الحوار. فالمقدّم، بدل أن يكون وسيطًا محايدًا، يتقمص دور الخصم، يوجّه الأسئلة بلغة اتهامية، يقاطع الضيوف انتقائيا، ويترك الانفعالات تتفجر على الهواء، في مشهد يخدم نسبة المشاهدة أكثر مما يخدم وعي الجمهور ومشاعر المتلقي.

الأخطر من ذلك هو الانحياز الواضح في تناول القضايا القومية والإنسانية، وعلى رأسها ما يتعرض له الكورد في سوريا. فمعاناة شعبٍ كامل من القصف والتهجير والإنكار تُختزل في حلقات مشوّهة، أو تُقدَّم ضمن سرديات مشككة ومليئة بالإيحاءات السياسية. وفي كثير من الأحيان، يُفسَح المجال لخطاب عدائي ضد الكورد دون مساءلة حقيقية، وكأن التحريض أصبح «رأيًا آخر» يجب احترامه.

إن هذا الأسلوب لا يمثل فقط إخفاقا مهنيا، بل خرقا صريحا للأخلاقيات والمواثيق المهنية للصحافة التي تفرض احترام كرامة الشعوب، وعدم الترويج لخطاب الكراهية، والالتزام بالإنصاف والتوازن. فالصحفي ليس مهرجا على مسرح السياسة، ولا قاضيا يصدر الأحكام المسبقة، بل شاهدا مسؤولا أمام التاريخ.

ولا يمكن فصل هذا الأداء عن حالة أوسع من التواطؤ أو الصمت التي تمارسها بعض القنوات العربية تجاه ما يحدث للكورد في سوريا. فبينما تُرفع شعارات الدفاع عن الحرية وحقوق الإنسان، يتم تجاهل انتهاكات واضحة، أو تبريرها، أو التعامل معها ببرود مريب. هذا الكيل بمكيالين يفضح زيف الخطاب الإعلامي، ويؤكد أن «المهنية» تُستدعى فقط حين تخدم أجندات بعينها.

تبًّا للمهنية حين تُستخدم كقناع للانحياز، وتبًّا للإعلام حين يتحول إلى أداة إقصاء بدل أن يكون منبرا للعدالة. فالقضية الكوردية ليست هامشا، ومعاناة الشعوب لا تُقاس بمدى توافقها مع سياسات القنوات. والتاريخ، مهما طال الزمن، لا ينسى من خان الكلمة.