الميثرائية الكوردية والميثرائية الرومانية

القسم الرابع

الميثرائية الكوردية والميثرائية الرومانية
الميثرائية الكوردية والميثرائية الرومانية

دون شك هناك تمييز بين الميثرائية الرومانية التي كانت وجهة نظر الإغريق والرومان في أواخر العصر الهلينستي تتجه الى عبادة إله الشمس الايراني ميثرا، والتي كانت مختلفة عن الديانة الميثرائية الايرانية(= الكوردية والفارسية) التي تقول المصادر التاريخية أنها كانت مقتبسة عن ديانة بابل، أي كانت متوراثة لدى الفرس والكورد عن ديانات بابل بعد الغزو الفارسي لمدينة بابل واسقاط الدولة الكلدانية على يد كورش الكبير عام539ق.م، فنحن نعلم بوجود إله الشمس (شمش) لدى الرافدينيين(= العراقيين القدماء)، الذي ربما عبر إختلاط عبادته مع عبادات الايرانيين إنتشرت عبادة ميثرا بين الإغريق في نهاية العهد الهلنستي أي في القرن الأول قبل الميلاد، من خلال إختلاط الإغريق بالفرس والكورد والشعوب الشرقية الاخرى بعد غزوات الإسكندر الأكبر للشرق، فقام الإغريق من خلال احتكاكهم بالفرس بنقل هذه الديانة الى أراضيهم و أماكن تواجدهم، لاسيما في حوض البحر المتوسط الشرقي، الى بلاد: اليونان، أسيا الصغرى وسوريا.

 في حين تذكر بعض المصادر التاريخية إلى أن الإغريق بعد احتلالهم لبلاد الرافدين، تأثروا في بابل بالديانات الشرقية بعد أن كانوا قد اطلعوا على الديانة الزروانية أي الزمنية البابلية والتي عبر اختلاطها بمعتقدات الإغريق نشأت الميثرائية الإغريقية أو بالأصح الرومانية، وكان الفيلق الروماني الخامس عشر  Legione XV الذي كان يرابط على حدود الإمبراطورية الفارسية في منطقة Comogene  قرب أرمينيا في القرن الأول الميلادي، كان قد نقل جسم العقيدة الميثرائية إلى الجيش الروماني بشكل كبير ومؤثر. وكان توسع الإمبراطورية الفارسية أيضا، لاسيما في آسيا الصغرى كان قد ساعد كثيرا على انتقال الديانة الميثرائية الى أراضي الإمبراطورية الرومانية.

وبعد إنتشار الديانة الميثرائية بين الرومان بشكل ملحوظ في نهاية القرن الأول قبل الميلاد، أصبحت الديانة الميثرائية جزءاً من ديانات الرومان كديانة وافدة شرقية غير أصيلة، أي أنها لم تكن من أصول يونانية أو رومانية كما هي حال الأغلبية العظمى من ديانات الرومان، ويشير الباحثون في تاريخ الأديان أن عبادة ميثرا تحولت مع الرومان إلى مرتبة دين عالمي، تمارس طقوسه في أراضي الإمبراطوريات المعروفة في تلك الحقبة، وهناك إشارات عديدة تؤكد بداية انتشار الديانة الميثرائية في أراضي الإمبراطورية الرومانية قبل العهد الروماني، في نهاية العصر الهلينستي، لا سيما ضمن الممالك التي شكلها الإغريق بعد موت الإسكندر، كالإمبراطورية السلوقية في إيران والعراق والإمبراطورية البطلمية في مصر.

ومن جانب آخر تواجه الباحثين في تاريخ الديانة الميثرائية، إشكالات متعددة:

 أولها، متعلق بطبيعة الديانة والأسرار الباطنية الميثرائية، التي تعيق الكلام بشكل واضح عن جسم إنتشار العقيدة وأماكن تواجدها في أراضي الإمبراطورية. 

ثانيها، متعلقة أيضا بأزمة المصادر التي تكلمت عن الميثرائية وطقوسها، لاسيما المصادر المسيحية التي تتكلم عن الميثرائية بطريقة متحيزة، فنرى معلومات في المصادر المسيحية، تصفها على الدوام بأنها مجرد هرطقة، وهو أمر شائع جدا في تلك القترة في الصراع الذي كان جارياً بين ديانات الشرق الأدنى،  حتى وصل الصراع بين الديانتين الى الذروة بين القرن الثاني والرابع الميلاديين، ولذا بقيت تشكل خطرا كبيرا على المسيحية حتى القضاء عليها بشكل رسمي، خلال إنتصار المسيحية كدين رسمي للإمبراطورية الرومانية، عبر مرسوم المنع الإمبراطوري الذي أصدره الإمبراطور ثيودوسيوس الاول الكبير(379 – 395م) عام 392م والقاضي بمنع ممارسة أو إعتناق طقس أي دين من الأديان غير المسيحية، وتحديداً الوثنية ضمن الأراضي التابعة للإمبراطورية الرومانية. وكان يُنظر إلى ثيودوسيوس على أنه بطل الأرثوذكسية المسيحية الذي قضى بشكل حاسم على الوثنية.

ففي ثمانينيات القرن الرابع الميلادي كرر ثيودوسيوس الأول الحظر الذي فرضه قسطنطين على بعض ممارسات الدين الميثرائي، وأعلن أن القضاة الذين لم ينفذوا القوانين ضد تعدد الآلهة (= في إشارة الى الدين الميثرائي – الصيغة الرومانية) سيتعرضون للملاحقة الجنائية وقضى على بعض الجمعيات الوثنية ولم يعاقب منفذي الاعتداءات على المعابد الرومانية.

وفي الوقت الذي كان فيه الامبراطور الروماني ثيودوسيوس يضطهد الهرطقة والخروجَ على العقيدة الأرثوذكسية الكاثوليكية؛ كان يضيِّق الخناق على الوثنية ليخمد أنفاسها، فأبطل زيارة الهياكل وذبح الذبائح والعيافة بأكباد الحيوانات وأحشائها، وأَدَّى هذا — بطبيعة الحال — إلى إغلاق الكثير من الهياكل وإلى اقتحام الجماهير بعضها؛ لنهبها وتدميرها.

ثم عاد فمنع في السنة 391م الذبائح وزيارة الهياكل وتكريم التماثيل، وفرض غراماتٍ ثقيلةً على الحكام والموظفين الذين يقترفون مثل هذه الذنوب، وأمر بإخراج مذبح آلهة النصر من بهو مجلس الشيوخ في رومة، وكان يوليانوس قد أعاده إلى هذا البهو بعد إخراجه منه في عهد الامبراطور قسطنطين، فاضطرب الشيوخُ الوثنيون، ورأوا في ذلك تمثيلًا وتنكيلًا بمجد رومة وعظمتها، وأوفدوا سيماخوس الخطيب إلى ميلان؛ ليلتمس إعادةَ النظر في هذا التدبير وإرجاع المذبح إلى مكانه.

وعلم أمبروسيوس أسقف ميلان بمهمة سيماخوس، فكتب إلى البلاط يرجو المحافظةَ على حرية المعتقد المسيحي ويبين أنه ليس من هذه الحرية في شيءٍ إكراهُ الشيوخ المسيحيين على الاجتماع والتشاوُر في قربٍ من مذبحٍ وثنيٍّ.

ووصل سيماخوس إلى ميلان وتكلم باسم الشيوخ الوثنيين، فطالب باحترام جميع الأديان وقال: يُمكن الوصولُ إلى الحقيقة الدينية بطُرُق متعددة، ثم أشار إلى يَمين الولاء المفروضة على جميع الأعضاء وأبان أنه إذا لم يكن ثمة مذبحٌ في بهو المجلس فعلى أَي شيء يقسم الأعضاء اليمين؟ ولكن ثيودوسيوس كان شديد التمسك بالنصرانية فأحال عريضة الشيوخ إلى المجلس الإمبراطوري الأعلى مع الإيعاز برفضها، وفي السنة ٣٩٢م أصدر الإمبراطور أمرًا خاصًّا إلى نائبه في مصر يُوجب تطهيرَ هذا البلد مِن أدران الوثنية، فأقفل السيرابيوم في الإسكندرية، واتفق أن أراد ثيوفيلوس أسقف الإسكندرية أن يحوِّل هيكلًا وثنيًّا إلى كنيسة مسيحية فثارتْ ثائرةُ الوثنيين في الإسكندرية والتجئوا إلى السيرابيوم واعتصموا فيه.

وحَضَّهُم الفيلسوفُ أوليمبيوس الوثني على الاستماتة في سبيل دينهم، فأمر ثيودوسيوس بهدم الهيكل وتدميره، وألح ثيوفيلوس بوجوب تقطيع تمثال سيرابيس بالفئوس، وكان الناسُ يَعتقدون أن سيرابيس يقابل مثل هذا العمل بالزلزال، لكن ما إن سقط التمثالُ وهُدمت قاعدتُهُ حتى خرج منها جيشٌ من الجراذين! ثم أُضرمت النار في أمتعة الهيكل الكبير فاحترق معها عددٌ غيرُ قليلٍ من نفائس المخطوطات اليونانية، وضاعت بضياعها صفحةٌ من تاريخ العلم والمدنية. أسد رستم، الروم: في سياستهم، وحضارتهم، ودينهم، وثقافتهم، وصلاتهم بالعرب.

أما المصادر الوثنية الأخرى التي تكلمت عن موضوع الديانة الميثرائية، فقد كانت متحيزة، للميثرائية التي كانت تشكل الخطر الأكبر على المسيحية منذ انتشارها في ولايات الإمبراطورية الرومانية؛ وذلك عائد لتشابه الكثير من طقوسها مع المسيحية، ويلاحظ أيضا أنها كديانة وثنية؛ لذلك جاءت كتاباتها بعيدة عن المنطق العلمي، الأمر الذي أتاح المجال لإنتشار المعلومات المغلوطة عن الديانة الميثرائية، بينما نرى وبسبب الطبيعة الباطنية والسرية للطقس الميثرائي، لا يلاحظ وجود أي كتابات ميثرائية تدحض التهجم المباشر عليها من قبل الأديان الأخرى، أو ترد عليها، وهذه صفة تشترك فيها أغلب الأديان الباطنية، فتبقى ممارساتها و طقوسها وعباداتها سرية باطنية، لا يعرفها أحد سوى أفراد الجماعة نفسها، التي لا نجدها تخلف أي أثر كتابي أو أي مصدر توثيق ظاهري خارج الدائرة الضيقة لمعتنقيها.

للإطلاع على نموذج من المصادر المسيحية المتحيزة في طرح موضوع الديانة الميثرانية، نستطيع أن نضرب مثلا على الموضوع رسالة القديس جيروم Hieronymus (347-420م) المرسلة إلى القديس ترتليان Tertullianus (160-240م) وهي رسالة تعود إلى القرن الرابع الميلاي، أي العصر الروماني المتأخر، تتحدث الرسالة، التي ينقل تفاصيلها القديس جيروم عن شهادة أحد الجنود الرومان من معتنقي الميثرائية، ويقول فيها، أنه حصل من الجندي على تفاصيل عن الميثرائية و طقوسها، داخل الرسالة يشرح القديس جيروم المراحل السبعة التي يمر بها المريد في الديانة الميثرائية، يصف فيها أيضا، طقس العماد أو التنقية التي يجب أن يطبق على المريد الداخل لمعرفة الأسرار والطقوس الدينية. في نهاية الرسالة يصف القديس جيروم الميثرائيين بالهراطقة أو الزنادقة Haereticorum الواردة حرفيا في الرسالة، مع العلم أن المسيحية استقت الكثير من تعاليمها عن الميثرائية كونها الديانة الأكثر قدما منها، يرى ذلك في عدة إقتباسات، أولها الإله الفادي أو المخلص و ليس آخرها طقس العماد أو التنقية Purificatory.

كانت المعلومات و الدراسات الواردة عن الديانة الميثرائية دوما متحيزة أو مكتوبة من قبل الخصوم الدينيين المعاصرين، لا سيما المصادر المسيحية، يلاحظ أيضا أن المعلومات النادرة الواردة عنها في المصادر الوثنية، أتت بدورها غير منهجية ولا ترتقي إلى مرتبة معلومات دقيقة تاريخيا وعلميا، بل كانت دوما تكهنات وتخمينات عن ماهية الديانة الميثرائية من قبل الخصوم.

في القرن العشرين، مع تطور الدراسات التاريخية بشكل عام والكلاسيكية بشكل خاص في دول أوروبا الغربية، تغيرت الكثير من المفاهيم التي كانت تخص الفكر الديني، الذي كانت تشوبه في غالب الأحيان وجهة نظر الديانة المسيحية فيه، التي كانت دوما تعطل البحث المنهجي العلمي، ولم تستطع الدراسات التحرر من غيبياته الواردة في الكتاب المقدس بشقيه العهد القديم و العهد الجديد، لكن بالمقابل برز في ذلك الوقت الكثير من الباحثين المهمين في تاريخ الأديان، الذين تخلوا عن النزعة الدينية للباحث في التاريخ، اهتموا فقط بالجانب المادي الأثري، كانوا بمعظمهم أكاديميين مختصين في تاريخ الأديان في العصور الكلاسيكية داخل أراضي الإمبراطورية الإغريقية الرومانية وخارجها، شملت دراساتهم أيضا عدة أديان شرقية أخرى من أبرزها :الزرادشتية، كان أغلبهم مسلحون بالمنهجية العلمية في البحث التاريخي، من أولهم في هذا المجال؛ أي في مجال دراسة الديانات ضمن أراضي الإمبراطورية الرومانية، الباحث البلجيكي المهم فرانز كيومونت Franz  Cumont الذي اعتمد منهجا مغايرا في طريقة التعاطي مع الأديان التي كانت منتشرة في أراضي الإمبراطورية، فكان منهجه العلمي البحت يعتمد فقط، على دراسة الكتابات و الرسوم الجدارية للمعابد الميثرائية المكتشفة في أراضي الرومانية، و العمل على تحليلها لناحية كونها مادة حضارية تفصح عن الكثير من المعلومات المهمة في البحث. بعد الباحث فرانز جاء العديد من الباحثين اللذين أغنوا الدراسات التاريخية الدينية التي كانت سابقة أو متزامنة مع ديانات الرومان، فوصلوا بأبحاثهم إلى الكثير من المراحل المتقدمة التي وضحت صورة الميثرائية والطقوس الميثرائية، من هؤلاء الباحثين: الباحث الايطالي Julius Evola جوليوس إيفولا، الباحث البريطاني جون هينيلس Jhon Hinnels ، ومؤخرا الباحث الإيطالي Stefano Arcella  من خلال دراسات فرانز كيومونت وهؤلاء المؤرخين تغيرت الكثير من المفاهيم المغلوطة التي كانت منتشرة عن الميثرائيين وطقوس عباداتهم، و استطاع الباحث "فرانز" عبر أبحاثه عن الميثرائيين الوصول إلى إعادة هيكلة شكل الدين الميثرائي و توضيح بنيته بشكل قريب إلى الحقيقة، بعيدا عن الخرافات المنسوجة عن هذه الديانة الباطنية، فوق ذلك ساعدت الإكتشافات الأثرية للعديد من المعابد الميثرائية في توضيح الروؤية بشكل جلي، مما ساعد الأثريين والمؤرخين على وضع هيكل علمي للطقوس و العبادة الميثرائية بعد أن كانت غير واضحة.