د. فيصل صادق توفيق
دكتوراه فلسفة في القانون الدولي _ دستوري
الشراكة والتوافق والتوازن: هل تُترجم الشعارات السياسية إلى واقع دستوري في العراق؟
في مرحلة ما بعد الانتخابات، لا تختبر الشعارات السياسية بقدرتها على حشد الأصوات أو تعبئة الجمهور، بل بمدى قابليتها على التحول إلى ممارسة دستورية تُنتج سلطة مستقرة، يكون الالتزام بالدستور وتطبيق أحكامه هو الضامن لوحدة الدولة وسيادتها وصيانة إرادة شعبها. وقد أكدت ديباجة دستور جمهورية العراق لسنة 2005 هذا المعنى بوضوح حين ربطت بين التعددية، والديمقراطية، والالتزام بالدستور كإطار جامع لإدارة الدولة.
ولقد أثبتت التجربة العراقية منذ عام 2005 أن الإشكال لا يكمن في غياب الشعارات السياسية، بل في العجز المزمن عن ترجمتها إلى واقع دستوري يحكم السلوك السياسي ويضبط ممارسة السلطة. ومن هذا المنطلق، يطرح شعار الحزب الديمقراطي الكوردستاني «الشراكة والتوافق والتوازن» سؤالا جوهريا يتجاوز الخطاب الانتخابي إلى جوهر النظام السياسي ويتساءل( بنوع من الشك )هل تمتلك الأحزاب العراقية الإرادة السياسية لتحويل هذا الشعار إلى قاعدة ناظمة للحكم في الدولة الدستورية؟
وأيا كان توجه و نية الحزب الديمقراطي الكوردستاني في طرحه للشعار فأنه لا يمكن قراءته بوصفه موقفا حزبيا أو مطلبا ظرفيا، بل باعتباره توصيفا دقيقا لأزمة الحكم في العراق، ومحاولة لإعادة ضبط العلاقة المختلّة بين النص الدستوري والممارسة السياسية. فدستور 2005 لم يؤسّس لدولة أغلبية سياسية، بل لدولة اتحادية تعددية تقوم على مبدأ تقاسم السلطة والتوازن بين مكوّناتها، وهي مبادئ ما تزال حتى اليوم محل إشكال في التطبيق أكثر مما هي محل خلاف في النص. وفي تحليلنا للمبادئ الثلاث في الشعار؛ تعد الشراكة الركيزة الأولى في هذا الشعار، وهي ليست مفهوما سياسيا مرنا أو توافقا ظرفيا، بل التزاما دستوريا صريحا. فقد نصّت المادة (1) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 على أن العراق «دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة»، بينما أكدت المادة (3) أنه «بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب». ويترتب على هذا التعدد أن إدارة الدولة لا يمكن أن تقوم على منطق الأغلبية العددية، بل على منطق الشراكة في القرار السياسي والاتحادي. كما عزّز الدستور هذا المعنى في المادة (47) التي قررت مبدأ الفصل بين السلطات، وفي المادة (49/أولاً) التي نصّت على أن مجلس النواب «يمثل الشعب العراقي بأكمله»، وهو تمثيل يفترض أن يكون سياسيا ووطنيا، لا عدديا أو مكونيا. غير أن الممارسة السياسية كشفت أن الإخلال بمفهوم الشراكة، سواء عبر الإقصاء أو التهميش أو الاحتكار، كان سببا مباشرا لحالات الانسداد السياسي وفقدان الثقة بين المكوّنات.
وفي هذا السياق، فإن طرح الحزب الديمقراطي الكوردستاني لمبدأ الشراكة يأتي بوصفه تذكيرا بطبيعة الدولة الاتحادية ذاتها، التي لا تُدار بعقلية الغلبة السياسية، بل بعقلية التمثيل المتوازن واحترام العقد الدستوري.
اما التوافق كآلية دستورية لإدارة التعدد يعد من أكثر المفاهيم إثارة للجدل في التجربة العراقية، وغالبا ما يقدم في الخطاب العام بوصفه نقيضا للديمقراطية. غير أن القراءة الدستورية تُظهر عكس ذلك. فالدستور العراقي، وإن لم ينص صراحة على مصطلح «الديمقراطية التوافقية»، إلا أنه أقرّ آليات تجعل التوافق ضرورة دستورية، لا خيارا سياسيا. فالمادة (70) من الدستور اشترطت أغلبية الثلثين في انتخاب رئيس الجمهورية، وهو ما يفترض توافقا سياسيا عابرا للكتل. كما أن المادة (61) المتعلقة باختصاصات مجلس النواب، ولا سيما في إقرار القوانين الأساسية والمعاهدات والقرارات ذات الطابع السيادي، تفترض توافقا وطنيا واسعا. كذلك، فإن عملية تشكيل الحكومة، وإن لم تُفصل دستوريا، إلا أنها عمليا لا يمكن أن تتم دون توافق في ظل بنية المجتمع السياسية المتعدّدة.
وتؤكد التجارب الاتحادية المقارنة هذا الفهم. ففي بلجيكا، ينص الدستور في المادة (1) على أن الدولة «اتحادية تتكون من مجتمعات ومناطق»، بينما تفرض المواد (99) و(104) مبدأ التوازن اللغوي داخل مجلس الوزراء، بحيث لا يمكن لأي مكون لغوي الانفراد بالسلطة التنفيذية. وينظر إلى التوافق هنا بوصفه ضمانة دستورية لوحدة الدولة، لا عائقا أمام فاعليتها.
وفي كندا، ورغم عدم وجود نص صريح على التوافق، إلا أن قانون الدستور لسنة 1867، ولا سيما المواد (91) و(92)، التي توزّع الاختصاصات بين الحكومة الفيدرالية والمقاطعات، أسّس لثقافة سياسية تقوم على التفاهم والتشاور المستمر، وهو ما أكدته المحكمة العليا الكندية في رأيها الاستشاري بشأن انفصال كيبك عام 1998، حين اعتبرت أن «الفيدرالية تقتضي التعاون والتفاوض بين مكوّناتها».
أما في ألمانيا، فإن القانون الأساسي، نص في المادة (50) على مشاركة الولايات،في التشريع والإدارة الاتحادية من خلال مجلس الولايات وهو نموذج مؤسسي للتوافق المنظّم، حيث لا يمكن تمرير العديد من القوانين الاتحادية دون موافقة ممثلي الولايات.
وفي السياق العراقي، ينسجم هذا الفهم مع ما أكده الرئيس مسعود بارزاني مرارا من أن «الشراكة الحقيقية والالتزام بالدستور هما الضمان الوحيد لبقاء العراق موحّدا»، وهي رؤية تستند إلى قراءة واقعية لتجربة أثبتت أن تجاوز التوافق لا يؤدي إلى الحسم، بل إلى أزمات أعمق.
اما العنصر الثالث من الشعار فهو التوازن التي يعد جوهر النظام الاتحادي فالتوازن يعد البعد الأكثر التصاقا بجوهر النظام الاتحادي العراقي. فقد خصص الدستور الباب الخامس لتوزيع الاختصاصات بين السلطات الاتحادية والأقاليم والمحافظات. ونصت المادة (110) على الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية، في حين أكدت المواد (114) و(115) مبدأ الاختصاصات المشتركة وأولوية قانون الإقليم في حال التعارض في غير الاختصاصات الحصرية، وهو نص يعد من أكثر النصوص تقدما في الدساتير الاتحادية. غير أن الممارسة السياسية، ولا سيما في ملفات النفط والغاز، والموازنة العامة، والإدارة المالية، أظهرت خللا واضحا في احترام هذا التوازن الدستوري، ما أدى إلى توترات مستمرة بين بغداد وأربيل، وأضعف الثقة بين مكّونات الدولة. وفي هذا الإطار، فإن التوازن الذي يطرحه الحزب الديمقراطي الكوردستاني ليس مطلبا سياسيا آنياً، بل دعوة إلى إعادة الاعتبار للنص الدستوري بوصفه المرجعية العليا لتنظيم العلاقة بين المركز والإقليم.
وعند طرح السؤال الجوهري: هل تُترجم الأحزاب العراقية شعارات الشراكة والتوافق والتوازن إلى ممارسة دستورية فعلية؟
فإن المقصود بالترجمة هنا لا يتمثل في تبني الشعار خطابيا، بل في تحويله إلى منهج حكم يعترف بحقائق الدولة العراقية: تعددية لا تُدار بمنطق الإقصاء، ونظام اتحادي لا يستقيم بالمركزية السياسية، ودستور يفقد معناه إن لم يحتكم إلى نصوصه وروحه في إدارة السلطة. إن مرحلة ما بعد الانتخابات تمثل اختبارا حقيقيا لجميع القوى السياسية، لقياس مدى قدرتها على الانتقال من منطق إدارة الأزمات المؤقتة، إلى منطق بناء الدولة الدستورية المستقرة. فإما أن يفهم شعار الشراكة والتوافق والتوازن بوصفه قاعدة ناظمة للحكم في دولة اتحادية متعدّدة، وإما أن يستمر العراق في الدوران داخل الحلقة ذاتها، مع تغير التحالفات وبقاء جوهر الأزمة. وفي المحصلة، لا يطرح الحزب الديمقراطي الكوردستاني شعارا حزبيا بقدر ما يضع أمام العملية السياسية اختبارا دستوريا صريحا: فالدولة التي لا تُدار بشراكة حقيقية، ولا تُنظَّم بتوافق واعٍ، ولا تُصان بتوازن دستوري فعلي، تبقى دولة هشّة ومعرضة للاهتزاز عند كل استحقاق سياسي. والاختبار الحقيقي اليوم لا يكمن في رفع الشعارات، بل في القدرة على ترجمتها إلى سياسات وممارسات تحترم الدستور وتعيد الاعتبار لمنطقه كمرجعية عليا للحكم.