مهند محمود شوقي
كاتب كوردي
كوردستان والعدالة المؤجلة !
في بيان يحمل أكثر من دلالة سياسية وقانونية، أعلنت حكومة إقليم كوردستان في 29 كانون الثاني/يناير 2026 أنها أنهت تقدير الأضرار الناتجة عن جرائم النظام العراقي السابق بحق الشعب الكوردي خلال الفترة الممتدة بين 1963 و2003، مؤكدة أن الدستور العراقي يلزم الحكومة الاتحادية الحالية، بوصفها الوريث القانوني للدولة، بدفع تعويضات تُقدّر بـ384.6 مليار دولار. هذا الإعلان لا يمكن قراءته باعتباره مطلباً مالياً فحسب، بل بوصفه اختباراً لمفهوم العدالة الانتقالية، ولمدى التزام الدولة العراقية الحديثة بإغلاق ملفات الماضي الثقيلة بروح دستورية وأخلاقية.
تستند حكومة الإقليم قانونياً إلى المادة (132) من الدستور العراقي التي تنص على أن “ترعى الدولة ضحايا النظام الدكتاتوري وتعوضهم بما يكفل لهم العيش الكريم”، وهو نص شامل لا يميّز بين مكوّن وآخر، ويغطي ضحايا حملات الأنفال، التهجير القسري، الإعدامات الجماعية، والتغيير الديمغرافي القسري، فضلاً عن جريمة حلبجة الكيميائية عام 1988 التي وثقتها الأمم المتحدة ومنظمات دولية باعتبارها استخداماً محظوراً لأسلحة الدمار الشامل ضد المدنيين (تقارير الأمم المتحدة حول العراق، 1991؛ هيومن رايتس ووتش، Genocide in Iraq, 1993).
غير أن هذا الملف لا يمكن فصله عن سياق العلاقة المتوترة بين بغداد وأربيل خلال العقد الأخير، وخاصة منذ عام 2014، حين بدأت الحكومة الاتحادية باقتطاع حصة إقليم كوردستان من الموازنة العامة، على خلفية الخلافات حول إدارة النفط وتصديره، وهو ما أكدته تقارير وزارة المالية العراقية وبيانات البرلمان الاتحادي المتعاقبة (وزارة المالية العراقية، تقارير الموازنة 2015–2022؛ البنك الدولي، Iraq Economic Monitor, 2016). هذا الاقتطاع لم يكن إجراءً تقنياً عابراً، بل تحوّل تدريجياً إلى أداة ضغط سياسي ذات كلفة اجتماعية باهظة.
ابتداءً من عام 2019، تصاعدت الأزمة حين أصبحت رواتب موظفي إقليم كوردستان تُستخدم بشكل مباشر كورقة تفاوض سياسي، إذ شهد الإقليم فترات طويلة من تأخير الرواتب أو تقليصها، رغم التزامات الحكومة الاتحادية الدستورية تجاه موظفي الدولة في جميع المحافظات والأقاليم، وهو ما وثقته تقارير بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) ومنظمات اقتصادية دولية، التي حذّرت من الآثار الاجتماعية الخطيرة لهذه السياسات على الاستقرار المجتمعي ومستويات الفقر في الإقليم (يونامي، تقارير حقوق الإنسان 2020–2023؛ صندوق النقد الدولي، Iraq Article IV Consultation, 2022).
هذا الواقع المالي والسياسي يزيد من رمزية مطالبة كوردستان اليوم بالتعويضات عن الجرائم التاريخية، إذ يبدو أن الإقليم لم يواجه فقط إرث الاضطهاد السابق لعام 2003، بل أيضاً نمطاً متواصلاً من إدارة الخلافات الاتحادية بوسائل اقتصادية عقابية بعد ذلك التاريخ، وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول معنى الدولة الاتحادية، وحدود استخدام الموارد العامة في النزاعات السياسية الداخلية.
في المقابل، يبرز تناقض لافت في السردية الاتحادية السائدة حول “عبء كوردستان”، إذ إن الإقليم، وعلى الرغم من أزماته المالية والسياسية، لم يكن جزءاً من المشكلة الوطنية، بل كان جزءاً من الحل في أكثر مراحل العراق ظلمة. فمنذ عام 2014، فتح إقليم كوردستان أبوابه لملايين النازحين من المحافظات الغربية والوسطى هرباً من تنظيم داعش، إضافة إلى اللاجئين السوريين، ووفّر لهم المأوى والخدمات الأساسية في وقت كانت فيه مؤسسات الدولة الاتحادية نفسها تعاني من انهيار جزئي في مناطق واسعة. وقد وثقت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) ومنظمة الهجرة الدولية (IOM) أن إقليم كوردستان استضاف ما يقارب نصف إجمالي النازحين داخلياً في العراق خلال ذروة الحرب على داعش، رغم محدودية موارده المالية آنذاك (UNHCR Iraq Factsheets, 2015–2019؛ IOM Displacement Tracking Matrix, 2016–2020).
هذا السلوك لم يكن مجرد استجابة إنسانية طارئة، بل مثّل موقفاً سياسياً وأخلاقياً عكس تصوراً مختلفاً للدولة والمواطنة، يقوم على التضامن بدل الإقصاء، وعلى تقاسم الأعباء بدل تصدير الأزمات. وهو ما يجعل من استخدام الرواتب والموازنات لاحقاً كوسيلة ضغط ضد الإقليم مفارقة صارخة في خطاب الدولة الاتحادية حول الشراكة والوحدة الوطنية.
أما تقدير حكومة الإقليم للأضرار بنحو 384.6 مليار دولار، فهو يعكس من جهة حجم الخسائر المادية الهائلة في البنى التحتية والقرى الزراعية والممتلكات المصادرة، ومن جهة أخرى يحاول أن يمنح رقماً تقريبياً للضرر الإنساني الممتد عبر أجيال، من فقدان الأرواح إلى تدمير النسيج الاجتماعي وحرمان مناطق كاملة من فرص التنمية لعقود. وتشير تجارب العدالة الانتقالية في دول أخرى، مثل جنوب أفريقيا والبوسنة ورواندا، إلى أن التعويضات، حتى حين تُدفع على مراحل وبآليات غير نقدية مباشرة، تُعد ركناً أساسياً في إعادة بناء الثقة بين الدولة والضحايا، وفي إعادة دمج المجتمعات المتضررة ضمن العقد الاجتماعي الجديد (International Center for Transitional Justice, Reparations Programs, 2014؛ الأمم المتحدة، Guidance Note of the Secretary-General on Reparations for Conflict-Related Sexual Violence, 2014).
سياسياً، يضع هذا الملف الحكومة الاتحادية أمام اختبار حساس لمصداقيتها الدستورية. فالتعامل مع مطالب كوردستان بوصفها “عبئاً مالياً” فقط يعيد إنتاج عقلية الدولة المركزية التي تعاملت تاريخياً مع الضحايا باعتبارهم مشكلة لا قضية. في المقابل، فإن تحويل هذا الملف إلى مسار مؤسسي تفاوضي قائم على الاعتراف بالضرر والالتزام بمعالجته تدريجياً يمكن أن يشكل فرصة لإعادة بناء الثقة بين بغداد وأربيل على أسس جديدة، تتجاوز منطق الصراع على الصلاحيات والموازنات إلى منطق الشراكة في تصحيح أخطاء الدولة نفسها.
الأهم من ذلك أن قضية تعويضات كوردستان تطرح سؤالاً أعمق حول معنى العدالة الانتقالية في العراق. فمنذ 2003، انشغل النظام السياسي بتقاسم السلطة وإدارة الأزمات الأمنية، بينما بقي ملف الضحايا، سواء في كوردستان أو في الجنوب أو الوسط، هامشياً ومجزأً، يعالج غالباً عبر قوانين تعويض محدودة أو قرارات إدارية متقطعة، لا عبر رؤية وطنية شاملة للمصالحة مع الماضي. والنتيجة أن الدولة العراقية الحديثة بدت، في كثير من الأحيان، وكأنها ورثت مؤسسات النظام السابق دون أن ترث مسؤوليته الأخلاقية تجاه ضحاياه.
في هذا السياق، يمكن قراءة بيان حكومة إقليم كوردستان ليس فقط كمطالبة بحقوق مالية، بل كمحاولة لإعادة فتح ملف “الدولة والضحايا” على مستوى وطني، ووضعه في قلب النقاش الدستوري والسياسي. فالمواد الدستورية التي تُستند إليها المطالبة لا تخص الكورد وحدهم، بل تؤسس لمبدأ أن الدولة مسؤولة، بصفتها كياناً قانونياً مستمراً، عن معالجة آثار الجرائم التي ارتُكبت باسمها، مهما تغيرت الأنظمة والحكومات.
يبقى السؤال المفتوح: هل تستطيع بغداد وأربيل تحويل هذا الملف من ساحة مواجهة سياسية إلى مسار عدالة مؤسسية؟ الإجابة لا تتوقف على حجم الأرقام، بل على الإرادة السياسية في الاعتراف بالضرر أولاً، ثم بناء آليات تعويض عادلة وشفافة تراعي الواقع المالي دون أن تُفرغ الحق من مضمونه. ففي الدول الخارجة من أنظمة قمعية، لا تُقاس قوة الدولة بقدرتها على النسيان، بل بقدرتها على الاعتراف، والإنصاف، وإعادة دمج الضحايا في عقد اجتماعي جديد.
في النهاية، فإن تعويضات كوردستان ليست مجرد قضية تخص إقليماً بعينه، بل مرآة لاختبار الدولة العراقية الحديثة: هل هي دولة قطيعة أخلاقية مع الماضي، أم مجرد امتداد إداري له؟ الجواب عن هذا السؤال سيحدد ليس فقط مستقبل العلاقة بين بغداد وأربيل، بل شكل العدالة والشرعية السياسية في العراق كله خلال السنوات المقبلة.