د. سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ- ألمانیا
الرئيس مسعود بارزاني مرجعية سياسية تتجاوز الإطار الجغرافي لإقليم كوردستان
مسألة الوحدة الكوردستانية اليوم تطرح إشكالية وجودية تتلاقى فيها أبعاد الهوية والمصير مع تحولات المنطقة والضغوط التي تواجه الدولة الوطنية. وفي ضوء رؤية الخالد مصطفى بارزاني، تتجلى أهمية إعادة تأمل مفهوم الوحدة، ليس فقط كإطار سياسي، بل كإطار فكري يعكس المصير المشترك ويؤسس لفهم أعمق للعلاقات الکوردية-الکوردية ومحيطها الاقليمي.
ومع ذلك، تظل الوحدة الكوردستانية أكثر من مجرد اتفاقات سياسية سطحية، فهي تتطلب إطاراً مرجعياً قادراً على تنظيم التعددية وإدارتها بما يحفظ التنوع ويصونه.
الإشكالية الأساسية تكمن في كيفية بناء بارادايم سياسي جديد يمكن من خلاله الجمع بين التعددية السياسية والحفاظ على وحدة الهدف والمصير، في ظل ظروف معقدة وتحديات مستمرة.
من منظور الفلسفة السياسية، لا تقتصر المرجعية الجامعة على الجانب الرسمي أو التنفيذي، بل تتجاوز ذلك إلى مستوى الشرعية الرمزية، التي تتجسد في قدرة القائد أو الإطار السياسي على جمع الأطراف المختلفة تحت سقف مشترك دون أن يتحول ذلك إلى هيمنة على القرار السياسي.
هذه الشرعية الرمزية تشكل النواة الأساسية التي تضمن الإلتقاء حول الأهداف الكبرى، وتحول التعددية من عنصر تهديد إلى أداة تنظيمية تعزز الموقف الكوردستاني داخلياً وخارجياً.
هنا يظهر دور فخامة الرئيس مسعود بارزاني كفاعل رئيسي في إعادة بناء الوحدة السياسية الكوردستانية في سياق موازين القوى الحديثة. ومع أن فخامته هو رئيس أكبر وأقدم حزب علی مستوی أقلیم کوردستان والعراق، إلا أن مكانته السياسية تتجاوز الحدود الحزبية الضيقة لتصبح مرجعية جامعة، لا تقتصر على الإقليم بل تمتد لتشمل الكورد في غرب وشمال کوردستان وحتى أجزاء من شرق كوردستان.
وقد أكد فخامة الرئيس مسعود بارزاني على أهمية الوحدة في عدة مناسبات، قائلاً: «إذا كان الكورد متحدين، فهم أقوياء»، مشدداً على أن «الوحدة بين الكورد وشعب كوردستان هي الشرط الوحيد لنجاحنا» في مواجهة التحديات الإقليمية والسياسية. كما دعا إلى ضرورة توحيد الموقف الكوردي في مناطق مختلفة، قائلاً: «يجب على الكورد في سوريا أن يتحدوا داخلياً أولاً، ثم يقدموا مطالبهم بشكل جماعي»، مؤكداً أن الإنجازات الكبرى تتحقق عندما يكون الشعب موحداً في رؤيته وقراره.
هذا الدور الرمزي يعود إلى نهج الزعيم الروحي مصطفى بارزاني الذي أسس لأحد أهم الركائز لفهم المرجعية السياسية العابرة للحدود. فقد كان الخالد مصطفى بارزاني، الأب المؤسس للكوردية المعاصرة أو مايسمی بـ(کوردایەتی)، من وضع أسس هذا النهج الذي جمع شتات الكورد تحت مظلة واحدة.
وخلال العقود التي خاض فيها بارزاني الأب نضالاً طويلاً ضد القوى الظالمة والديكتاتورية، لم يكن هدفه تحقيق استقلال كوردستان فحسب، بل كان يسعى إلى توحيد الكورد في جميع أجزاء كوردستان، من خلال بناء إطار سياسي جامع ومؤسسات تعكس التنوع الكوردي وتضمن حقوقه المشروعة في أي سياق إقليمي.
إن النهج الذي اتبعه بارزاني الخالد في مقاومة قوى الهيمنة وتوحيد الصف الكوردستاني شكل منهجاً عملياً للسياسة النضالية، ومنهجاً فكرياً للمرجعية الكوردستانية القائمة على الشرعية الشعبية لا على القوة القسرية.
إذا كان مصطفى بارزاني قد نجح في بناء حركة نضالية كوردية مشتركة عابرة للحدود، فإن الرئيس مسعود بارزاني اليوم يستمر في هذا المشروع بما يتناسب مع الظروف الراهنة.
فبالإضافة إلى قيادته للحزب الديمقراطي الكوردستاني، استطاع الرئيس مسعود بارزاني الحفاظ على هذه الشرعية الرمزية وتطويرها ليصبح شخصية سياسية تتمتع بقبول عابر للحدود الكوردستانية، وتحظى باحترام لا يقتصر على جزء واحد من الشعب الكوردستاني، بل يشمل شريحة واسعة من الكورد في مختلف مناطق كوردستان.
إن هذا الدور لا يعني فرض قيادة مركزية أو احتكار القرار، بل هو امتداد لفكر النهج التوافقي الذي رسخه الخالد مصطفى بارزاني في بناء حركة كوردستانية موحدة، تتجاوز الانقسامات الحزبية، وتعمل على تحقيق مصالح الكورد من خلال إدارة الاختلافات بما يخدم هدفاً واحداً:
الكرامة الوطنية وحماية حقوق الشعب الكوردستاني في كل مكان.
لكن نجاح هذا النهج في العصر الراهن يتوقف على عدة شروط، أبرزها: قبول التعددية كعنصر طبيعي داخل الحركة السياسية الكوردستانية، التمسك بالشرعية الشعبية في صناعة القرار السياسي، استمرار التنسيق بين القوى السياسية الكوردستانية المختلفة، وإشراك الأجيال الصاعدة في عملية اتخاذ القرار بعيداً عن التجاذبات التاريخية.
خلاصة القول، إن ما يميز الرئيس مسعود بارزاني هو قدرته على الحفاظ على مرجعية جامعة لا تقتصر على حزب أو فصيل سياسي، بل تمثل امتداداً لفكر الخالد مصطفى بارزاني الذي أرسى قواعد الوحدة الكوردية على أسس من الشرعية الرمزية والتعددية السياسية.
وفي ظل الواقع الكوردستاني المعقد والتطورات الجیوستراتیجية التي تحصل في المنطقة، تظل هذه المرجعية الأمل الأكبر في بناء وحدة سياسية عابرة للحدود، قائمة على التنسيق بين مختلف الأطراف دون محاولات هيمنة أو انقسام.
وبذلك، يمكن أن يكون هذا النهج نقطة انطلاق حقيقية نحو تحقيق مصير شعب كوردستان علی أرضه ووطنه، وهو الهدف الذي طالما سعى إليه الأجيال عبر التاريخ.