إدريس سليمان عبد الله
أستاذ مساعد وباحث اقتصادي – جامعة صلاح الدين
العقار كملاذ آمن في أوقات الأزمات الاقتصادية: قراءة مقارنة بين الذهب والعقار
في ظلّ الاضطرابات الاقتصادية المتكررة التي تشهدها المنطقة، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع الثقة بالعملة النقدية، اتجه عدد متزايد من الأفراد في السوق الإقليمي، ولا سيما في العراق وإقليم كوردستان، إلى البحث عن وسائل لحماية مدّخراتهم. هذا القلق المشروع لم ينشأ في فراغ، بل ترافق مع موجة ترويج إعلامي واجتماعي مكثّفة دفعت شريحة واسعة من المواطنين إلى تبنّي خيار شراء الذهب والفضة بوصفه الحل الأكثر أمانًا في أوقات الأزمات.
لم يقتصر هذا الترويج على البرامج التلفزيونية الاقتصادية العامة، بل بات من الشائع استضافة أصحاب محلات الذهب أنفسهم في تلك البرامج، حيث يُقدَّمون على أنهم “خبراء” بحكم عملهم داخل السوق وفهمهم لحركته. غير أن ما يغيب عن أذهان كثير من المتلقين هو أن زيادة الإقبال على شراء الذهب والفضة تمثّل، في الوقت ذاته، مصلحة مباشرة لتلك الجهات، إذ إن ارتفاع الطلب يعني توسيع حجم المبيعات وزيادة هامش الربح، بغضّ النظر عن توقيت الدخول أو ملاءمته للمشتري. ومع تكرار هذا الخطاب، ترسّخت لدى كثيرين قناعة بأن الذهب والفضة خيار استثماري مضمون لا يحتاج إلى معرفة أو تخطيط.
إلى جانب ذلك، لعبت مواقع التواصل الاجتماعي دورًا محوريًا في تضخيم هذه القناعة، عبر حملات ومنشورات تدعو إلى الاستثمار في شراء الذهب والفضة باستخدام عبارات مبسّطة وشعارات جذّابة، غالبًا دون أي شرح لطبيعة السوق أو الإشارة إلى المخاطر المحتملة. والأكثر لفتًا للانتباه في الآونة الأخيرة هو ظهور اختلالات غير اعتيادية في الأسعار، مثل تسجيل أسعار الفضة في أسواق أربيل مستويات أعلى من أسعارها في البورصات العالمية، وهو ما يعكس فجوة واضحة بين السعر المحلي والسعر الحقيقي، ناجمة عن المضاربة والطلب العاطفي أكثر من كونها انعكاسًا للقيمة الفعلية.
خلال الفترة الممتدة بين عامي 2022 و2024، ارتفعت أسعار الذهب في الأسواق المحلية بنسب تراوحت بين 30% و45% بحسب العيار وسعر الصرف، ما عزّز شعور الخوف من ضياع المدّخرات النقدية، ودفع كثيرين إلى الدخول إلى السوق عند مستويات سعرية مرتفعة. اللافت أن شريحة واسعة من هؤلاء هم مواطنون اعتياديون يمتلكون مدّخرات مكتنزة، لا يملكون خبرة استثمارية أو تجارية، ويجمعون في الوقت ذاته بين الرغبة في تحقيق ربح سريع والخوف من الالتزام باستثمار طويل الأجل، وهو تناقض يجعل قراراتهم الاستثمارية قائمة على الانطباع لا على التحليل.
المشكلة هنا لا تكمن في الذهب أو الفضة كأصول، بل في طريقة التعامل معهما. فهذه المعادن تتأثر بشكل مباشر بعوامل عالمية معقّدة مثل أسعار الفائدة، وقوة الدولار، والسياسات النقدية الدولية، وتخضع لتقلبات حادة في المدى القصير. وقد شهد السوق حالات قام فيها أفراد بتحويل مدّخرات تقارب عشرين ألف دولار أو أكثر إلى ذهب أو فضة عند ذروة الأسعار، ثم اضطروا لاحقًا إلى البيع عند الحاجة للسيولة بهوامش ربح محدودة، أو حتى بخسارة بعد احتساب فروقات البيع والشراء. في هذه الحالات، يتحوّل ما يُفترض أنه “ملاذ آمن” إلى مصدر ضغط نفسي ومالي.
في المقابل، يقدّم القطاع العقاري في السوق الإقليمي نموذجًا استثماريًا مختلفًا يقوم على الارتباط بالحاجة الفعلية، سواء كانت سكنية أو تجارية أو خدمية. فالعقار ليس أصلًا جامدًا يُحتفظ به انتظارًا لارتفاع السعر فقط، بل أداة إنتاجية قادرة على توليد دخل دوري، إضافة إلى احتفاظها بقيمتها على المدى المتوسط والطويل. وتشير المعطيات الواقعية إلى أن متوسط العائد الإيجاري السنوي في العقارات السكنية الجيدة يتراوح بين 6% و9%، بينما قد يصل في العقارات التجارية والمخازن إلى 10–14% في المواقع ذات الطلب الحقيقي.
حتى في فترات التباطؤ الاقتصادي أو عدم الاستقرار، لم تشهد العقارات الأساسية في المدن الإقليمية انهيارات حادة، بل غالبًا ما تمرّ بتصحيحات سعرية محدودة. فمالك عقار مؤجّر، حتى لو انخفضت القيمة السوقية لعقاره بنسبة 10% خلال فترة ركود، يبقى قادرًا على تحقيق دخل إيجاري مستمر يساعده على تجاوز المرحلة دون الحاجة إلى بيع الأصل تحت الضغط.
ولتوضيح الفارق العملي بين الاستثمار في الذهب والعقار ضمن السياق الإقليمي، يمكن تلخيص الصورة في المقارنة الآتية:
هذه المقارنة لا تهدف إلى إقصاء الذهب من أي محفظة استثمارية، بل إلى وضعه في إطاره الصحيح. فالذهب قد يكون أداة تحوّط جزئية، لكنه لا يُعد استثمارًا منتجًا. أما العقار، فرغم بطئه النسبي وصعوبة الخروج السريع منه، فإنه يمنح المستثمر عنصرًا بالغ الأهمية في أوقات الأزمات، وهو التدفق النقدي المستمر، الذي يخفّف الضغط ويمنح مرونة زمنية في اتخاذ القرار.
الفرق الجوهري بين الخيارين لا يرتبط فقط بطبيعة الأصل، بل بسلوك المستثمر نفسه. مستثمر الذهب غالبًا ما يكون أسير المتابعة اليومية للأسعار والعناوين الإعلامية، ما يجعله أكثر عرضة للقرارات الانفعالية. في حين يفرض الاستثمار العقاري نمطًا من الانضباط والصبر، حيث يصبح الزمن عنصر أمان لا مصدر تهديد، ويُقلّل من القرارات السريعة غير المدروسة.
في نهاية المطاف، تتجلّى مشكلة أعمق تتعلق بثقافة الاستثمار في السوق الإقليمي، حيث يتم الخلط بين الادخار والاستثمار، وبين الأمان المطلق والأمان النسبي. الذهب قد يحمي جزءًا محدودًا من المدّخرات، لكنه لا يبني استقرارًا ماليًا مستدامًا. أما العقار، فإذا أُحسن اختياره، فإنه يربط المال بحاجة حقيقية في المجتمع، ويقدّم مزيجًا نادرًا من حفظ القيمة والدخل والاستقرار.
التوصيات العملية الدقيقة تتمثل:
أولًا في ضرورة ألا يضع الأفراد كامل مدّخراتهم في أصل واحد، وألا يتعاملوا مع الذهب أو الفضة باعتبارهما مشروع ربح، بل أداة تحوّط محدودة النسبة.
ثانيًا، من يمتلك مدّخرات راكدة ويخشى المخاطرة العالية، فإن العقار المؤجّر، ولا سيما السكني أو الخدمي، يُعد خيارًا أكثر اتزانًا من الأصول التي لا تولّد دخلًا.
ثالثًا، على أصحاب المهن الحرة والشركات الصغيرة تجنّب الانجراف وراء الحملات الإعلامية والاتجاهات السائدة، والتركيز على أصول يمكن فهمها وإدارتها بوضوح.
كما يُنصح قبل أي قرار استثماري بطرح سؤال جوهري: هل هذا الأصل يولّد دخلًا منتظمًا أم يعتمد فقط على إعادة البيع؟ فالأصول التي لا تنتج تدفقًا نقديًا تجعل المستثمر تحت ضغط التوقيت والسوق، بينما يمنح الدخل الإيجاري مساحة أمان نفسي ومالي.
وأخيرًا، يبقى الاستثمار الناجح نتاج فهم وصبر وانضباط، لا خوف أو تقليد، وفي الأسواق الإقليمية يثبت العقار، إذا أُحسن اختياره، أنه أحد أكثر الملاذات عقلانية في زمن الاضطراب الاقتصادي.