من الطوابير إلى التطبيقات الکترونیة: ماذا تعني e-Psûle للمواطن الكوردستاني؟

من الطوابير إلى التطبيقات الکترونیة: ماذا تعني e-Psûle للمواطن الكوردستاني؟
من الطوابير إلى التطبيقات الکترونیة: ماذا تعني e-Psûle للمواطن الكوردستاني؟

في السنوات الأخيرة، وخاصة في الفترة من عام 2024 حتى عام 2026، بدأت ملامح مرحلة جديدة في إقليم كوردستان تظهر بوضوح، عنوانها التحول الرقمي، تحديث الدولة، وبناء نظام مصرفي حديث ينسجم مع طموحات المجتمع الكوردستاني واقتصاده الصاعد. ويأتي إطلاق منصة "e-Psûle" في أكتوبر 2025 كأحد أبرز عناوين هذه المرحلة، ضمن رؤية شمولية تقودها الكابينة التاسعة لحكومة إقليم كوردستان برئاسة دولة رئيس الوزراء مسرور بارزاني.​

لسنوات طويلة، كان المواطن في كوردستان مضطراً للوقوف في طوابير طويلة أمام دوائر الجباية الحكومية لدفع فواتير الكهرباء وغيرها من الرسوم، في منظومة يغلب عليها الدفع النقدي، بطء التحصيل، ضعف التتبع المالي، وتجربة مرهقة للمواطن. كانت المدفوعات المحصّلة نقداً تفتقر إلى الشفافية الكاملة، وتكلّف الجهات الحكومية وقتاً وجهداً كبيرين لإدارتها ومطابقتها، إضافة إلى مخاطر فقدان الأموال.

اليوم، تقدّم "e-Psûle" نموذجاً معاكساً تماماً: منصة رقمية موحّدة، حكومية بالكامل، تتيح للمواطن أن يدفع ما عليه من مستحقات حكومية من أي مكان وفي أي وقت، عبر تطبيق على الهاتف أو من خلال البنوك والمحافظ الإلكترونية المشاركة، مع تأكيد فوري للدفع ورؤية واضحة لكل فاتورة. هذه النقلة لا تغيّر فقط طريقة الدفع، بل تغيّر علاقة المواطن مع مؤسسات الدولة وطريقة إدارة المال العام.​

"e-Psûle" هي المنصة الرقمية الرسمية لحكومة إقليم كوردستان لتحصيل الفواتير الحكومية إلكترونياً، صُممت لتكون بسيطة، آمنة، وسريعة للمواطن، وفي الوقت نفسه أداة فعّالة وعصرية للحكومة والقطاع المصرفي. المنصة مشروع مملوك بالكامل لحكومة الإقليم ومُعتمد من البنك المركزي العراقي، ما يعطيها ثقلاً قانونياً ومالياً، ويضعها في قلب عملية إصلاح منظومة المدفوعات في الإقليم.​

تتيح المنصة للمواطنين دفع فواتيرهم الحكومية، بدءاً بوزارة الكهرباء، عبر قنوات متعددة: التطبيق e-Psûle على الهواتف الذكية، المحافظ الإلكترونية المشاركة مثل FastPay وAsiaPay وNassWallet، و البنوك الشريكة مثل FIB وجيهان وNBI.​

يمكن للمواطن أن يختار الخدمة، يدخل رقم حسابه، يرى كامل المبلغ المطلوب بوضوح، ثم يؤكد عملية الدفع بأمان، دون أي رسوم إضافية على المعاملة. كما يمكنه استعراض تاريخ المدفوعات واسترجاع إيصالاته في أي وقت، ما يخلق ثقافة مالية أكثر تنظيماً لدى الأفراد.​

أحد أهم مجالات تطبيق e-Psûle هو قطاع الكهرباء، الذي عانى فيه المواطنون طويلاً من محدودية أماكن الدفع واعتمادها شبه الكامل على الكاش. قبل إطلاق المنصة، كان بإمكان المواطنين في محافظات مثل أربيل، السليمانية، دهوك، حلبجة، رابرين وزاخو دفع مستحقات الكهرباء إلا في عدد محدود جداً من المواقع، ما كان يفرض على كثيرين السفر أو الانتظار في طوابير مزدحمة، شبيهة بما كانت عليه البنوك قبل ظهور أجهزة الصرّاف الآلي.​

منذ منتصف أكتوبر 2025، تم ربط وزارة الكهرباء (مشروع روناكي: إحدى مبادرات مسرور بارزاني) كأول جهة "مُصدِرة للفواتير" على المنصة، وبدأت الاختبارات في منطقة نازناز بحوالي ألفي مشترك. تلا ذلك توسيع التجربة إلى مركز مدينة أربيل، ثم إلى مراكز المدن في الإقليم، إلى أن وصلت المنظومة إلى الإطلاق الشامل على مستوى كوردستان في 10 شباط 2026، مع استهداف نحو مليون مشترك في عموم الإقليم.​

عبر e-Psûle يمكن للمواطن اليوم دفع مستحقات "روناكي" (الخدمة الحالية)، وكذلك الديون السابقة (ما قبل روناكي)، إلكترونياً، سواء عن طريق البنوك أو المحافظ الإلكترونية، دون الحاجة إلى حمل المال النقدي أو زيارة الدوائر الحكومية. كما يمكنه الدفع عن نفسه أو بالنيابة عن آخرين، مع إمكانية تجميع عدة فواتير في عملية دفع واحدة، إذا كانت القناة المصرفية أو المحفظة تدعم ذلك.​ 

تقدم e-Psûle مجموعة من المزايا العملية التي يلمسها المواطن بشكل مباشر في حياته اليومية:​ منها الدفع على مدار الساعة: المنصة تعمل 24 ساعة في اليوم، 365 يوماً في السنة، ما يحرر المواطن من قيود الدوام الرسمي والازدحام أمام الدوائر.​

سهولة الوصول: يكفي وجود هاتف ذكي أو حساب في بنك أو محفظة مشاركة، لتتم العملية في دقائق قليلة ومن أي مكان داخل الإقليم أو خارجه.​

الأمان والخصوصية: جميع المدفوعات رقمية، تتم عبر بطاقات أو محافظ إلكترونية، مع تشفير للبيانات ووسائل مصادقة قوية، ما يقلل مخاطر فقدان المال أو سرقته.​

السيطرة الكاملة على المدفوعات: لا توجد أي خصومات تلقائية، فكل عملية لا تتم إلا بموافقة صريحة من صاحب الحساب، مع إمكانية الاطلاع على كامل التفاصيل قبل التأكيد.​

وضوح الفواتير وعدم وجود رسوم: تظهر للمواطن جميع مكونات الفاتورة بوضوح وبمفاهيم موحّدة، والمبلغ المعروض هو نفسه المبلغ الذي يُخصم، دون أي رسوم خدمة إضافية عبر أي قناة.​

حفظ الإيصالات: يستطيع المواطن الرجوع في أي وقت إلى سجل مدفوعاته واستخراج الإيصالات، ما يفيده في المتابعة الشخصية أو في أي معاملات رسمية لاحقة.​

يتجاوز تأثير e-Psûle البُعد التقني، ليصل إلى تغيير تدريجي في ثقافة الدفع في المجتمع الكوردستاني. الانتقال من النقد إلى الدفع الإلكتروني يعني إدخال شريحة واسعة من الناس إلى المنظومة المصرفية الحديثة، وتعزيز التعامل مع البنوك والمحافظ الرقمية بدلاً من الاعتماد الكامل على الكاش.​

من جانب آخر، تشكّل المنصة فرصة مهمة للبنوك والمحافظ الإلكترونية لتوسيع قاعدة عملائها، تطوير منتجات مالية جديدة، وتعزيز الثقة بينها وبين المواطنين من خلال التعاون المباشر مع حكومة الإقليم. فكل عملية دفع عبر بنك أو محفظة مرتبطة بـ e-Psûle تعني حركة سيولة منظمة، قابلة للتتبع، وتفتح الباب أمام خدمات مثل الأقساط، الدفع الجزئي، وتنويع وسائل التحصيل.​

بهذا المعنى، تساهم المنصة في بناء "ثقافة مصرفية" جديدة في كوردستان، أقل اعتماداً على النقد، وأكثر انفتاحاً على الخدمات المالية الحديثة، وهو مسار ضروري لأي اقتصاد يسعى للنمو والاستثمار وجذب رؤوس الأموال.

إذا نُظر إلى المشهد العراقي الأوسع، يظهر أن إقليم كوردستان يتحرك بسرعة أعلى في مجال التحول الرقمي في الخدمات الحكومية. ففي الوقت الذي ما زالت فيه عمليات الدفع النقدي تهيمن على كثير من المؤسسات في بقية العراق، بدأ الإقليم يرسّخ نموذجاً تدريجياً للدفع الإلكتروني عبر مشاريع متكاملة.​

منصة e-Psûle تضاف إلى سلسلة مبادرات رقمية أخرى مثل "KRD Pass" ، ومشروع "Runaki" في قطاع الكهرباء، وغيرهما من المشاريع التي تهدف إلى جعل الخدمات الحكومية أكثر كفاءة وشفافية. هذه المشاريع، وإن تعددت مجالاتها، تتقاطع في هدف واحد: جعل حياة المواطن أسهل، وتقوية مؤسسات الدولة بأدوات حديثة، وتعزيز صورة كوردستان كبيئة جاذبة للاستثمار والتكنولوجيا.​

إطلاق e-Psûle لم يأتِ بمعزل عن سياقه السياسي والإداري، بل ينسجم مع رؤية واضحة أعلنتها الكابينة التاسعة لحكومة إقليم كوردستان برئاسة دولة رئيس الوزراء مسرور بارزاني، تقوم على تحديث مؤسسات الدولة، رقمنة الخدمات، ومحاربة الهدر والفساد من خلال الشفافية والتتبع المالي. الدفع الإلكتروني يحد من التلاعب، يقلل التعامل المباشر مع الكاش، ويسهّل على الحكومة مراقبة الإيرادات وتخطيط الإنفاق بشكل أدق.​

من الناحية الاجتماعية والسياسية، يمكن قراءة e-Psûle كمؤشر على تغيير في الطريقة التي ينظر بها المواطن إلى الدولة والعكس. عندما يشعر المواطن أنه يستطيع إنجاز معاملاته من هاتفه في دقائق، دون واسطة أو انتظار مهين، يبدأ مستوى الثقة في مؤسسات الدولة بالتحسن.​

في المقابل، تحصل الحكومة على بيانات دقيقة عن حجم الاستهلاك، نسب السداد، المناطق الأكثر التزاماً أو تأخراً، ما يساعد في صياغة سياسات أفضل للتعرفة، الدعم، أو الاستثمار في البنية التحتية للطاقة. ومع الوقت، يمكن أن تمتد المنصة لتشمل فواتير وخدمات أخرى، لتصبح بوابة موحدة للتعامل المالي بين المواطن والدولة.​

قد يبدو للبعض أن e-Psûle مجرد تطبيق للدفع الإلكتروني، لكنه في الواقع جزء من تحوّل أوسع تشهده كوردستان نحو إدارة أكثر عصرية وشفافية، واقتصاد أكثر اندماجاً مع النظام المالي العالمي. الربط بين هذه المنصة، ومبادرات مثل KRD Pass وRunaki، وتطوير البنية المصرفية، يعكس توجهاً متعمداً لبناء "ثقافة رقمية" جديدة في الإقليم، تحت قيادة سياسية ترى في التكنولوجيا أداة أساسية للتنمية والاستقرار.​

بالنسبة للمواطن، قد تختصر الفكرة بجملة بسيطة: "ادفع فاتورتك من هاتفك وأنت في البيت". لكن خلف هذه الجملة تقف بنية تقنية ومؤسسية وقانونية، ورؤية حكومية تسعى لأن تكون كوردستان في مقدمة المناطق الأكثر تقدماً في العراق والمنطقة في مجال الحكومة الإلكترونية والقطاع المصرفي الرقمي. وإذا استمرت هذه المسيرة بالوتيرة نفسها، فقد تصبح تجربة كوردستان نموذجاً يُحتذى به في أجزاء أخرى من العراق، وربما أبعد من ذلك.