د. سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ- ألمانیا
في المعنى الفلسفي للهوية الكوردستانية.. التظاهرات الأخيرة نموذجاً
شهدت مدن كوردستان وعدد من العواصم الإقليمية والدولية خلال الفترة الماضية تظاهرات واسعة خرج فيها الكورد رافعاً علم کوردستان دفاعاً عن غرب کوردستان، في مشهد تجاوز حدود اللحظة السياسية الراهنة. فلا يمكنني مقاربة هذه التظاهرات بوصفها مجرد استجابة ظرفية لأزمة سياسية عابرة، بل أراها، ضمن أفق فلسفي أعمق، فعلاً وجودياً عبرت من خلاله الهوية الكوردستانية عن نفسها في المجال العام.
فحين ينزل الإنسان إلى الشارع لا مطالباً بمصلحة آنية، بل مؤكداً انتماءه ومعناه، يتحول الجسد ذاته إلى لغة، ويغدو الفضاء العام نصاً مفتوحاً تكتب فيه الهوية وتستعاد من خلاله دلالاتها العميقة. الهوية، من منظور الفلسفة الوجودية، ليست معطى ثابتاً يورث، بل مشروعاً ينجز عبر الفعل. وهي لا تتجلى في الوعي النظري فقط، بل في لحظة المخاطرة التي يختار فيها الفرد أن يكون ظاهراً بدل أن يبقى محايداً أو صامتاً.
في التجربة الكوردستانية، يتجاوز هذا الفعل حدود الجغرافيا السياسية. فالدفاع عن غرب کوردستان لم يكن تعبيراً عن تضامن سياسي فقط، بل استعادة لوحدة المعنى الكوردستاني، حيث تتقدم الرابطة الأخلاقية على الحدود المصطنعة، ويغدو المصير المشترك أساساً للوعي الجمعي. هنا تتحول الهوية من مفهوم قانوني أو إثني إلى علاقة أخلاقية بين الذوات، قائمة على الشعور بالمسؤولية المتبادلة.
فلسفياً، يمكن النظر إلى هذه التظاهرات بوصفها فعل اعتراف مزدوج: اعتراف الذات بذاتها كفاعل تاريخي، واعتراف الجماعة بنفسها ككيان أخلاقي. وهذا الاعتراف لا يمنح من الخارج، بل ينتزع عبر الحضور والمخاطرة والتعبير الحر. فالهوية التي لا تخاطر بالبروز في المجال العام تظل هوية ناقصة، محصورة في الذاكرة لا في التاريخ.
إن ما يمنح التظاهرات معناها العميق ليس عدد المشاركين وحده، بل طبيعة الرسالة التي حملتها: رفض تحويل الكوردي إلى كائن هامشي، ورفض اختزال كوردستان في خرائط القوى الإقليمية. بهذا المعنى، تصبح التظاهرة ممارسة سيادية رمزية، تعيد للذات الكوردستانية قدرتها على الكلام والتسمية والتعريف بنفسها.
من زاوية الفلسفة السياسية، یذهب الفیلسوف الفرنسي جان بول سارتر إلى أن الإنسان لا يكون إلا بما يفعل، وأن الامتناع عن الفعل هو بحد ذاته اختيار، لذا تمثل التظاهرات لحظة نادرة يتقاطع فيها الفردي والجماعي، حيث لا يذوب الفرد في الحشد، بل يجد ذاته عبره. فالمجال العام، حين يُفعّل سلمياً، يتحول إلى فضاء لإنتاج المعنى، لا مجرد ساحة صراع.
وهنا تتجلى الهوية الكوردستانية بوصفها هوية مدنية قادرة على التعبير عن نفسها دون إنكار التعدد أو السقوط في العنف. في فلسفة الفیلسوف الألماني يورغن هابرماس، يعد الفضاء العام شرطاً أساسياً للديمقراطية، لأنه المكان الذي تتكون فيه الإرادة الجمعية عبر الحوار والفعل السلمي، كما تكشف هذه التظاهرات عن بُعد أخلاقي مركزي في الهوية الكوردستانية، يتمثل في التمييز بين الخصومة والعداء، وبين المقاومة والكراهية.
فالدفاع عن روجافا لم يبنی على خطاب إقصائي، بل على منطق العدالة والحق في الحياة الحرة. وهذا ما يمنح الهوية الكوردستانية قابلية للانفتاح على القيم الإنسانية الكونية دون أن تفقد خصوصيتها. إن الخطر الحقيقي الذي يواجه الهوية الكوردستانية لا يكمن في القمع الخارجي وحده، بل في تحول الهوية إلى خطاب استهلاكي أو شعاراتي منفصل عن الفعل. ومن هنا، تكتسب التظاهرات قيمتها بوصفها جسراً بين الذاكرة والمستقبل، بين ما كان وما ينبغي أن يكون.
ختاماً، إن ترسيخ الهوية الكوردستانية لا يتحقق بتكثيف الخطاب، بل بتوسيع الوعي، ولا بتقديس الماضي، بل بقراءته نقدياً، ولا برص الصفوف خوفاً، بل بتوحيدها على أساس القيم المشتركة والمعنى الإنساني للحرية.