أحمد كوران
كاتب
عقلية الثورة لا تبني دولة لكن عقلية التسامح تبني الأمم
قد تكون عقلية الثورة ضرورية في بعض المراحل لإحداث التغيير وكسر الجمود السياسي، غير أن بناء الدول وترسيخ استقرارها يتطلبان عقلية مختلفة قوامها التسامح والحكمة وروح المسؤولية الوطنية. فالتغيير قد يبدأ بالثورة، لكنه لا يكتمل إلا بالحوار، ولا يستمر إلا بترسيخ قيم التعايش والقبول المتبادل.
إن التسامح، بوصفه قيمة سياسية واجتماعية، يعني قبول الاختلاف واحترام التنوع، والتعايش مع الآخر رغم التباين في القومية أو المذهب أو الدين. وتمثل هذه العقلية الأساس المتين لبناء دولة حديثة يعيش فيها جميع المواطنين بأمن وسلام، في ظل عقد وطني جامع يعزز الوحدة ولا يكرّس الانقسام.
في السياق العربي، ولا سيما في العراق وسوريا، يُعدّ التسامح والتعايش السلمي ضرورة وطنية لا خيارًا ثانويًا. فهاتان الدولتان تتسمان بتنوع قومي وديني وثقافي واسع، ومن شأن إدارة هذا التنوع بصورة عادلة أن تجعله مصدر قوة وثراء حضاري، لا سببًا للصراع وعدم الاستقرار.
لقد أدت الصراعات القومية والمذهبية خلال العقود الماضية إلى دمار واسع ومعاناة إنسانية عميقة. وأثبتت التجارب أن منطق الثأر والإقصاء لا يفضي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمات وخلق خصومات جديدة. ويُعدّ ما شهده العراق خلال العقود الأخيرة مثالًا واضحًا على ذلك، حيث أسهمت السياسات غير التوافقية وروح الإقصاء في تعميق الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية.
ومن أبرز الإشكاليات التي برزت بعد عام 2003 اعتماد سياسات استبعاد واسعة النطاق بدلًا من تبني مسار شامل للمصالحة الوطنية، إلى جانب عدم التطبيق الكامل والمتوازن لبعض المواد الدستورية، فضلًا عن توترات سياسية ومذهبية أثرت في مكونات أساسية من المجتمع، وكذلك الخلافات المالية والسياسية مع إقليم كوردستان، ومنها مسألة قطع الموازنة في فترات سابقة.
وقد ترتب على ذلك:
تفاقم الصراعات الطائفية والقومية.
تهميش شرائح واسعة من المجتمع.
تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية.
وكان من الضروري أن تتجه الدولة نحو:
تطبيق الدستور بصورة كاملة وعادلة.
تعزيز الوحدة الوطنية على أساس المواطنة المتساوية.
ترسيخ مبادئ العدالة والمساواة بين جميع المواطنين.
ولا تزال التحديات الإنسانية قائمة، إذ يعيش آلاف العراقيين في مخيمات النزوح رغم انتهاء العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش. كما تسير جهود إعادة الإعمار بوتيرة بطيئة نتيجة التعقيدات السياسية، ومحدودية الموارد، والتحديات الأمنية. وتعمل منظمات دولية، مثل المنظمة الدولية للهجرة والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، على دعم جهود الاستقرار، غير أن الحاجة ما تزال قائمة إلى تعاون وطني ودولي أوسع لضمان عودة آمنة وكريمة للنازحين.
ومن التحديات الأخرى التي تواجه العملية السياسية في العراق مسألة التدخلات الإقليمية والدولية في مسار تشكيل الحكومات. فبدلًا من أن تكون نتائج الانتخابات العامل الحاسم في اختيار القيادات، تتأثر عملية تشكيل السلطات التنفيذية أحيانًا بتوازنات وضغوط خارجية، الأمر الذي يؤدي إلى:
إضعاف مفهوم السيادة الوطنية.
تقليص انعكاس الإرادة الشعبية في تشكيل السلطة.
تعميق الانقسامات والصراعات الداخلية.
ومن ثمّ، تبرز الحاجة إلى:
تعزيز السيادة الوطنية.
دعم الاستقلال السياسي والاقتصادي.
اختيار قيادات تعبّر عن إرادة المواطنين وتعمل لتحقيق مصالحهم العامة.
أما في سوريا، فإن المرحلة الانتقالية بعد سنوات طويلة من الصراع تتطلب مقاربة حذرة تقوم على تجنب سياسات الإقصاء أو استهداف أي مكوّن اجتماعي أو ديني، لأن أي توتر مع العلويين أو الدروز أو الأكراد أو غيرهم قد يعيد إنتاج دوامات جديدة من العنف وعدم الاستقرار. كما أن استمرار التأثيرات الخارجية في القرار الوطني يزيد من تعقيد المشهد السياسي ويهدد السلم الأهلي. إن بناء مستقبل مستقر في سوريا يقتضي إقامة دولة قائمة على المواطنة المتساوية، وضمان حماية جميع المكونات دون تمييز.
وفي هذا السياق، يبرز دور القيادات السياسية المعتدلة التي تدعو إلى الحوار والتفاهم. ويُعدّ السيد الرئيس مسعود بارزاني من الشخصيات التي أكدت في مناسبات متعددة أهمية الحلول السلمية، وتعزيز الحوار بين المكونات، وتجنب الصراعات الداخلية، والعمل على ترسيخ الاستقرار والتعايش في العراق والمنطقة. وقد ركزت مواقفه على ضرورة الشراكة الحقيقية واحترام حقوق جميع المكونات، ومعالجة الخلافات عبر التفاهم السياسي بدلًا من التصعيد، لما لذلك من أثر جوهري في تعزيز السلم والاستقرار.
وتقع على عاتق القادة السياسيين في العراق وسوريا مسؤولية تاريخية في ترسيخ ثقافة التسامح، والابتعاد عن خطاب الكراهية والثأر، والعمل على:
تعزيز الحوار بين مختلف الفئات.
دعم التعايش السلمي.
تجنب منطق الإقصاء والصراعات الشخصية.
تحقيق الاستقرار السياسي والأمني.
دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
صون الحقوق الدستورية والوطنية لجميع المكونات.
إن بناء الدول لا يتحقق بالغضب وحده، بل بالحكمة والرؤية بعيدة المدى. فالأمم لا تستقر بالقوة المجردة، وإنما بالعدل والمصالحة واحترام التنوع، وهي الأسس الحقيقية لبناء دولة قوية ومستدامة