ديار كاظم
كاتب
العراق في قلب صراع الحضارات: قراءة على ضوء أفكار أرنولد توينبي
يرى المؤرخ والفيلسوف البريطاني أرنولد توينبي، صاحب نظرية التحدي والاستجابة، أن الحضارات لا تموت بفعل العوامل الخارجية بقدر ما تنتحر من الداخل عندما تفشل في الاستجابة لتحديات التاريخ. وهذه الفكرة تمثل مفتاحاً مهماً لفهم الأزمات التي تواجه الدول والمجتمعات المعاصرة، خصوصاً في مناطق التماس الحضاري مثل الشرق الأوسط.
انطلق توينبي من فرضية أن الدين ليس مجرد عامل ثقافي، بل محرك عميق للحضارات، وأن الصراعات الكبرى في العالم غالباً ما تتخذ شكلاً دينياً أو حضارياً حتى وإن ظهرت بغطاء سياسي أو اقتصادي. ووفق هذا التصور، يمكن فهم العالم بوصفه مجموعة كيانات حضارية ذات جذور دينية تتحرك ضمن شبكة المصالح والصراعات الدولية.
فالعالم الأنغلوساكسوني — بريطانيا والولايات المتحدة وأستراليا ونيوزيلندا — يمثل، وفق هذا التحليل، فضاءً حضارياً بروتستانتياً، بينما تشكل أوروبا الغربية امتداداً للحضارة الكاثوليكية بقيادة فرنسا وألمانيا وإيطاليا، إضافة إلى البرازيل في أمريكا الجنوبية. أما روسيا فتقود الفضاء الأرثوذكسي الذي يستند إلى إرث الكنيسة الشرقية باعتباره جزءاً من هويتها الحضارية والسياسية. ومن هذا المنظور، لم يكن استقلال الكنيسة الأوكرانية عام 2019 حدثاً دينياً فحسب، بل اعتُبر في موسكو مساساً مباشراً بالأمن القومي الروسي.
وفي العالم الإسلامي، يُنظر إلى الانقسام السني-الشيعي أحياناً باعتباره انقساماً حضارياً يتجاوز البعد المذهبي، حيث تمثل إيران مركز الثقل الشيعي، بينما تمثل السعودية وتركيا محوراً سنياً تتقاطع داخله المصالح والتحالفات الإقليمية.
أما شرق آسيا، فقد قدم نموذجاً مختلفاً؛ إذ كانت الحضارات هناك ذات جذور دينية هندوسية أو بوذية، لكن التطور العلمي والتكنولوجي حول الدين إلى مسألة شخصية، منفصلة نسبياً عن إدارة الدولة والصراع الحضاري، وهو ما ساهم في صعودها الاقتصادي والاستراتيجي.
في المقابل، تعتمد إسرائيل بشكل كبير على الهوية الدينية اليهودية في بناء مفهوم أمنها القومي، ما يجعل البعد الديني جزءاً من معادلة بقائها الاستراتيجية.
وسط هذه الخريطة المعقدة، يبرز العراق بوصفه نقطة تقاطع للصراعات الدولية والحضارية. فموقعه الجغرافي يجعله ممراً بين الشرق والغرب، إضافة إلى امتلاكه موارد بشرية وطبيعية كبيرة. إلا أن تراجع القوة الناعمة، وصعود أنماط الحكم الاستبدادي، والحروب الإقليمية، والصراعات القومية والدينية، أدت إلى إضعاف الدولة وإدخالها في دوامة صراع مستمر.
أصبحت الساحة العراقية انعكاساً لتوازنات إقليمية ودولية؛ إذ تتمسك إيران بنفوذها داخل العراق ولبنان باعتباره جزءاً من أمنها الاستراتيجي، بينما تتعامل القوى الدولية مع المنطقة باعتبارها مجالاً حيوياً لمصالحها. وفي الداخل العراقي، تتجلى الانقسامات السياسية والاجتماعية بوضوح، حيث تتوزع مراكز النفوذ بين قوى شيعية وسنية وكوردية، في ظل غياب مشروع وطني جامع قادر على إعادة تعريف الدولة خارج منطق الصراع الهوياتي.
الكورد، في هذا السياق، يجدون أنفسهم غالباً بين محاور متنافسة، بينما تعاني القوى السنية من ضعف التنظيم السياسي والعسكري، في حين تسعى القوى الشيعية المدعومة إقليمياً إلى تثبيت نفوذها الاستراتيجي. وهكذا يتحول العراق إلى ساحة توازنات أكثر منه دولة مستقلة القرار.
السؤال الجوهري اليوم ليس فقط من يسيطر على العراق، بل هل يستطيع العراق نفسه أن يتجاوز منطق الصراع الحضاري ليبني نموذج دولة حديثة؟ فوفق رؤية توينبي، مستقبل الأمم لا تحدده قوة خصومها، بل قدرتها على الاستجابة للتحديات التاريخية بروح إصلاحية ومشروع حضاري جامع.
إن خطر العراق الحقيقي لا يكمن في الصراعات الخارجية وحدها، بل في استمرار الانقسام الداخلي وفشل النخب السياسية في إنتاج هوية وطنية تتجاوز الطائفية والقومية الضيقة. فالحضارات — كما يقول توينبي — لا تُهزم عندما تُغزَى، بل عندما تفقد قدرتها على التجدد.